السبت، 2 أبريل 2011

مطلوب ثلاثة نفر سعودي على الهواء هذا الأسبوع


العرب يفرطون في ظلم السعوديين كثيرا، خاصة عندما يحاولون تصدير الآراء عبر فضائياتهم باعتبار أنها تمثل وجهة النظر المحلية تجاه القضايا. وهذا يعكس استسهالا أو استغفالا ـ سيان. ولا شك أن لسان حال كثير ممن يقيض لهم أن يتابعو شأنا محليا عبر فضائيات عربية أن يرددو مع طرفة ابن العبد:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على النفس من وقع الحسام المهند

داهمني السؤال بالأمس، وأنا أتابع أحد البرامج التلفزيونية، فشاهدت شخصا يظهر في كل زمان وفي كل مكان. وكأن لا أحد سواه يمكنه الحديث والكلام.
هو يتحدث عن ارتفاع أسعار البطاطس في قناة الإخبارية، ويتحدث عن الأوضاع السياسية في قناة العالم، ويتحدث عن التاريخ في قناة المستقلة، ويتحدث عن قيادة المرأة للسيارة في قناة إل بي سي. ويتحدث عن الإصلاح في البي بي سي. ويتحدث عن تخصيص الأندية الرياضية في الجزيرة...إلخ.
أحيانا أتصور أنه من كثرة شهوته للحديث، يتكلم وهو نائم.
 هو لا يصمت أبدا.
 ولذلك يبدو كل ما يقوله عبارة عن تخاريف.
هذا الشخص الذي أشقانا بكلامه وثرثرته ليس واحدا، بل هم مجموعة بعدد أصابع اليد الواحدة. تراهم رجال العصر والمغرب والعشاء والفجر. أو هكذا يزعمون.
وفي ظل صناعة الإعلام المعلب، لم يعد هناك من يصنع فكرا، بل هناك شيء أقرب ما يكون إلى الطلب الجاهز، الذي تلبيه شركات يعمل فيها أناس لا يعرفون أحدا، وجل ما يفعلونه هو الاحتفاظ في أجندة تلفوناتهم بخمسة أرقام، مع ملاحظة باردة: متحدث بتاع كله.
هناك أناس بارعون للغاية، ويمثلون واجهات، لكنهم لا يمارسون الرقص في كل منبر، وفي كل حين.
صاحب الرؤية، لا يورط نفسه في فخ الإعلام المزنوق بحثا عن ضيف، وإنما يخطط متى وكيف يظهر؟
هذا الأمر لا يتم العمل عليه لدينا بشكل جيد. وشركات العلاقات العامة التي تتعامل مع الفضائيات، اختارت الفعل الكمي، هي تتفق مع الفضائيات على طريقة: ثلاثة نفر سعودي في الأسبوع.

الخميس، 24 مارس 2011

هل توطين الوظائف فعل عنصري؟


يبدو أن السؤال الذي أطرحه هنا، له ثقل وإيقاع ينطوي على مناصرة ومعارضة من جانبين. وفي كل الأحوال، الحدس الإنساني والحس الوطني يحرك كثيرين للتهيب من الأمر أو التركيز عليه.
هناك واقع يتمثل في بطالة ضاغطة، تعيشها معظم البلدان العربية دون استثناء. هذا الواقع يسهم في إثراء تفاصيل الصورة التي تتسم بالقلق من التأثيرات السلبية لقوافل العاطلين عن العمل.
المسألة هنا تأخذ بعدا وطنيا وسياسيا، يجعل التفريط في الأمر، أو التهوين منه، يمثل مأزقا يدفع إلى نتائج وخيمة.
في الجانب الآخر، يقف أكثر من طرف، محذرين من الإفراط في الحماس، لأن الأمر ينطوي على فعل طارد للمستثمر الذي يريد عمالة رخيصة. وصاحب هذا الرأي يزعم أن العمالة الوطنية ـ في الخليج على الأقل ـ كلفتها أعلى من مثيلاتها الوافدة من الدول العربية أو بقية دول العالم.
وسط هذا الحوار، الذي يترقب قرارات التوطين، ويحاول تارة الحماس لها، وتارة الإلتفاف عليها، يأتي صوت آخر قد يكون خافتا نوعا ما.
هذا الصوت يتمثل في العاملين العرب الذين يعيشون في الخليج منذ عشرات السنين، ولم يتمكنوا من الحصول على حق المواطنة. وهم يجدون أن التوطين لا يراعي في تفاصيله مسألة أنهم عاشوا في المجتمعات الخليجية كل هذه السنوات، وشارك آباؤهم في صياغة وجه من وجوه التنمية الإنسانية في هذه البلدان.
أنا هنا سأتحدث عن الفلسطينيين كمثال.
الفلسطينيون يعشيون وضعا مختلفا في كل العالم العربي. إذ بموجب قرارات جامعة الدول العربية، ممنوع تجنيس الفلسطينيين. القرار عندما صدر في منتصف القرن الماضي، كان هدفه نبيلا للغاية، كان يريد أن يحفظ الفلسطينيين من الذوبان. لكن السنين أثبتت أن القرار كان جائرا على الإنسان.
 وقد سافر فلسطينون كثيرون إلى أوروبا وأمريكا واكتسبوا جنسيات هذه الدول، لأن الدول العربية كرست من خلال هذا القرار مبدأ إهانتهم، ولعل مخيمات الفلسطينيين في أكثر من بلد عربي خير شاهد على ذلك.
صحيح أنه لا يوجد في دول الخليج مخيمات. بل يوجد فلسطينيون غالبا ما يحصلون على استثناءات حتى في التوظيف. لكن إيقاع التوطين أخرجهم من أعمالهم الحكومية، ونقلهم إلى القطاع الخاص، ولم تتوقف مآسيهم وقلقهم ولم ينتهي شعورهم بالتعب بسبب وثائق السفر التي تفتح لهم بابا وتغلق في وجههم عشرة أبواب.
وحال شعوب عربية أخرى، لا تختلف كثيرا عن حال الفلسطينيين، فقد كان الفقر والإضطهاد، طاردا لهم من بلدانهم، فاختاروا الغربة العربية باعتبار أنها أخف ضغطا، لكن ظروف البطالة وضعتهم على خط الريح الذي طالهم أواره.
من المؤكد أن التوطين بكل مصطلحاته : "سعودة" ، "أمرتة" ، "تكويت" ، "بحرنة"...إلخ. لا يمثل في منطلقاته أي فعل عنصري.
 لكن إيقاع الكلمات التي يتم استخدامها في محاولة القطاع الخاص تحديدا بالمسألة، تقع أحيانا في فخ الأوصاف العنصرية، التي لا يليق أن يتم استخدامها في أي مجتمع متحضر.
هناك أناس يرون أن العرب، ينبغي أن يكونو آخر من يتم الاستغناء عنهم من أجل إحلال المواطنين في دول الخليج. وأصحاب هذا الرأي يعززون طرحهم بأنه لا خوف على التركيبة السكانية والنسيج الإجتماعي من الوجود العربي. والتهديد الحقيقي هو من الثقافات الأبعد، إذ أن تكاثرها في المجتمعات الخليجية هو العامل الضاغط الذي يلقي بظلاله السوداء على عدد من مجتمعات المنطقة.
ويبقى السؤال : كيف يحدث التوطين دون أن يمس ثوابت الإنسان؟ كيف نحافظ على أشقائنا العرب بيننا ونحفظ الود معهم؟ وقبل ذلك: كيف نقنع القطاع الخاص بتحقيق نوع من التوازن بين التوطين واستقطاب الخبرات الخارجية.
ينبغي بداية أن نعترف أن قطاعنا الخاص يضم قيادات لا تؤمن بالتوطين. وهذه هي نفسها القيادات التي وجدت حرجا شديدا في مجاراة الأوامر الملكية بتقديم راتبين للسعوديين، أو رفع الحد الأدنى للرواتب.
ذلك أن الفلسفة التي يعتنقونها ترى أن دورة العمل الإنتاجي لها وجهة واحدة فقط لتحقيق الربح. هذه الوجهة يغيب فيها عامل المكافأة المستحقة للعامل المخلص. خاصة أن عملية التوظيف لتحقيق مسألة التوطين تراعي أحيانا أن توزع مثل هذه الوظائف على شكل شرهات لشقيق هذا المسؤول أو قريبه.
هذه المعضلة هي التي تجعل بوصلة التوطين في السعودية والخليج تقفز فوق الإنسان بصفته إنسانا. هي نوع من الميكيافلية التي لا تريد أن تمارس دورا وطنيا، رغم أنها لا تستنكف أن تزعم الوطنية وترددها من خلال إعلان هنا أو تبرع هناك. شغل علاقات عامة، وليس شغلا وطنيا حقيقيا.
هنا يبدو صاحب القرار مضطرا لمسك العصا ورفعها، بعد أن فشلت الجزرة في جذب انتباههم. هذا ما سيحدث قريبا جدا.
 الخوف أن تؤثر الإنتقائية على بعض الشرائح التي أشرنا إليها.
العرب يستحقون أن ننحاز إليهم حتى ونحن نتهيأ لاختيار قراراتنا الأصعب بتقليص العمالة الوافدة. 

السبت، 19 مارس 2011

الرجل المرعب


تواصل مع السماء 



ليس ثمة ما هو أبسط منه، لكنه يرعبني، ولا يزال يثير رعبي. قابلته لأول مرة منذ سبعة أعوام، كان يشكو من مظلمة، وسمعته يردد : رب إني مغلوب فانتصر.
 لم يمض وقت حتى رأيت بعيني ما حل بمن ظلمه. أقسم بالله العظيم أنني لا أكذب، ولا أحتاج أبدا لأن أكذب. لكنني وقتها أيقنت أن دعوة من إنسان ضعيف، بريئ، تعلو ثم ترتد لتكسر رقبة الظالم، وتحيله إلى حطام.
خالد سعيد
بالأمس شاهدت الرجل. كان لا يزال محتفظا ببساطته، مبتسما، سلمت عليه، سألته : ما أخبارك الآن؟ حمد الله، ثم ودعني تاركا إياي وأنا أستعيد صورته. قبل سبعة أعوام، كان شخصا مقهورا، كان يردد: رب إني مغلوب فانتصر. لم أسمعه يوما يتحدث عن خصمه.
 لم أسمعه يشتمه.
 كان دعاؤه ذلك ردا على سؤال عابر: ما الذي بينك وبين فلان؟ كان هذا الدعاء هو تعليقه الوحيد.
هذا الرجل المرعب. مصدر الرعب فيه أنه مستقيم، عملي، صادق. وأنه قال على مسمعي: رب إني مغلوب فانتصر. ولم يمض وقت طويل حتى انتصف له من تضرع إليه، لم يتغير وضعه كثيرا، لكن ظالمه رحل.
كل مرة، أشاهد فيها هذا الإنسان، أتحسس سحر تلك العبارة التي همس بها: رب إني مغلوب فانتصر.
محمد بو عزيزي
أظن أن هذا هو الدعاء الذي هتف به خالد سعيد في مصر ومحمد بو عزيزي في تونس وأرواح أناس كثيرين أهريقت دماؤهم في أماكن كثيرة، فكان ما كان في عالمنا العربي.
لا تستهينو بالعبارات التي يقولها الناس البسطاء. إنها أكثر رعبا من كل الكلمات التي رددها عظماء كثيرون. 

الخميس، 17 مارس 2011

هامش عن الهامش


هناك دوما أكثر من طيف، أكثر من رأي، أكثر من لون، أكثر من لغة...إلخ. وهناك دوما حق وباطل. جور وعدل. وهناك أبيض وأسود.
التعددية هي السمة التي تصبغ الكون، وتعطيه طاقة الحركة الإيجابية والسلبية. هذه التعددية تعكس أحيانا نوعا من الإنسجام. وتعكس في أحيان أخرى شكلا من التضاد، والإنحراف عن خطوط الفطرة وحدود العقل.
وسط هذا كله تبدو المساحة مفتوحة، تتسع فضاءاتها للكل، القوي والضعيف، الغني والفقير، الشريف والوضيع.
يغتر القوي بقوته، ويتمدد في زهو الحياة، حتى يلامس سن المشيب، أو يصيبه الضعف بسبب مرض عارض. قبلها ربما لا يفكر أن لديه ما يردعه أو يوقفه عن طموحاته التي لا تتردد في  العبور على الآخرين. الآخر بالنسبة للقوي يكون مجرد هامش، قد لا يشعر بوجوده.
في الصورة المقابلة، يرى الضعيف في صلف القوة، مادة هامة لاستحضار صور من قتلتهم قوتهم. ذلك أن القوة العمياء تصبح غير ذات قيمة، لأنها لا تتكئ على عقل يقود بصيرتها فتدرك المسارات التي ترتقي بها وتجعلها تسمو.
إن الأصوات التي تتعالى اليوم في العالم العربي، بعضها ينطلق من داخل الذات، ويعبر عن الواقع. لكن هناك أصوات أخرى تحركها مصالح وتطلعات لأن تصبح قوة جديدة لا يهمها أن تحقق العدل والرفاه بقدر ما يهمها أن تكون بديلا للسائد. وهذه دوما تتوسل بالضعفاء الذين عانو من عدم الإنصات. يحتاج العالم العربي أن يتلفت من حوله، أن يبحث عن المهمشين والمظلومين وأن ينصفهم، حتى لا يتحولوا إلى حراب تطعن في الخاصرة.





السبت، 12 مارس 2011

المظاهرات : اللي ماتتسماش !

لامني بعض الأصدقاء، على موضوعي الذي نشرته في المدونة بالأمس، والذي جاء تحت عنوان : يوم في قلب مظاهرة الرياض. هذا اللوم، لا علاقة له بالمضمون. بل يتركز على العنوان. ويبدو الرأي متطرفا نوعا ما. هو يقول إن البحث في محركات البحث، سيظهر العنوان، ولن يهتم أحد بالمضمون، فأحيانا يتم البحث الإحصائي والنوعي عن الموضوع وعن كاتبه. وقد ضحكت كثيرا من هذا التفكير. وكدت أشك أن يكون موجودا، لولا أن شخصا آخر أعاد طرح الملاحظة مرة ثانية.
والإعلام  تحاشى اليوم مثلا أن يلامس لفظة التظاهر. ولذلك فأنت تقرأ مقالة طويلة عنوانها: لماذا فشلت في السعودية؟ وواضح من العنوان أن هناك كلمة ملغاة، هذه الكلمة هي المظاهرات.
 بشكل عام، ورغم حجم الحدث إعلاميا، صحيفة واحدة فقط من بين كل الصحف المحلية، أوردت لفظة المظاهرات مقترنة بعنوان في الصفحة الأولى. عدا ذلك تم الإستعاضة عن اللفظة بمترادفات أخرى مثل الفوضى، الفتنة، تهديد الأمن...إلخ.
هذا في الوقت الذي تناولت فيه القنوات التلفزيونية الخارجية الأمر بنوع من التوسع الذي فاق حقيقة ما جرى. إذ أن كل شخص يدرك أن الجمعة الماضية لم تشهد أي تظاهرات، بل كان هناك استجابة كاملة لفتاوى هيئة كبار العلماء ولتعليمات الداخلية السعودية. وجاء الأمر بمثابة تصويت كامل يؤكد أن التظاهر ليس خيارا مجمعا عليه في السعودية.
ولعل أبرز الردود الرسمية، جاءت على لسان الأمير نايف بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية التي نوه فيها بهذ الشعب الكريم، الوفي، المتخلق بأخلاق الإسلام.
وهنأ الأمير نايف الشعب والقيادة على الوقفة الوفية، التي نأت بالوطن عن الزج فيه في أتون الشغب الذي قد يجعل المملكة مكانا للفوضى. الأمير نايف في تلك الكلمة أطلق بشارة أن المملكة ينتظلرها حزمة من القرارات التي تعزز حالة الرخاء والرفاه. 
هذه المصافحة من الأمير نايف، التي جاءت متوجة بشكره لجميع المواطنين، أعطت إشارة لطيفة للمجتمع الوفي، أن الخير الآتي في الطريق، يحمل بشائر أكيدة باستمرار مسيرة النمو والرخاء. 
إيقاع كلمة مظاهرة، وسط كل هذه الممحاكات العربية، يبدو أن إيقاعه سلبي جدا على الآذان، وأحيانا يتم الاستعاضة عن ذلك بالتلميح على طريقة: اللي ما تتسماش.
يحفظ الله الوطن شعبا وقيادة. ويبعد عنا تلك التي "ما تتسماش".

يوم في قلب مظاهرة الغضب في الرياض




إعلامي أجنبي يدون ملاحظاته في شارع العليا العام
أطلقو عليها في النت مسميات عدة، وكانو يريدونها جمعة مختلفة على ما يبدو. كانت مختلفة فعلا. لكنها بالتأكيد لم توافق هوى مناضلي الإنترنت.  جمعة الـ 11 مارس في الرياض تلمح أثرها عند خروجك من بوابة منزلك تتهيأ لصلاة الجمعة. الوجود الأمني المحسوس. رجال الأمن يقفون عند الإشارات ومداخل الشوارع.
لا يوجد شيء غير عادي. رؤيتهم تشيع مشاعر مختلفة. طمأنينة. قلق مم لا ندري ماهو. وشعور بالرغبة في مد جسر للحوار معهم. ترفع يدك مسلما أحيانا، فترتفع الأيدي مبتسمة.
 لم يكن هناك أي مظهر للتوتر. هم مبتسمون. يثرثرون مع بعضهم. ربما حتى هم يتساءلون في دواخلهم: هل كان ثمة مبرر لخروجنا بهذا القدر؟ الإجابة تتضح من منظر السيارات العابرة، باتجاه المساجد.
 قبلها كانت المدينة وادعة، أهلها بين النوم وصحو الصباح المختلط بالرغبة في حد أدنى من الحركة، تناول القهوة، قليل من الفطور، أحاديث عائلية عادية، مماحكات لإيقاظ الأبناء أو تركهم ينامون. أفعال عادية، تحدث في كل بيت، وفي كل مدينة.
شارع العليا العام، هذا الشارع الذي يعج بالناس. هذا المكان الذي تتهادى فيه السيارات ذهابا وإيابا، في أعقاب المباريات، وفي الأعياد والمناسبات الأخرى، أكاد أقول كل يوم. مكان يضج بالحياة. لا ينافسه في ذلك سوى شوارع أخرى مثل التحلية والثلاثين. هنا حيث برج المملكة وبرج الفيصلية. هذه محطة أي قادم للرياض. غالبا ما تتجه عينه صوب الفيصلية والمملكة، يرنو إليهما ويضعهما على جدول زياراته إن كان وقته يسمح بذلك.
 لكن الرياض اليوم شيء آخر. إنها رياض غامضة، لا تستطيع أن تتعرف بقدر واضح عن الصورة التي يكتنفها هذا الصوت السيبري الغامض. لا تكاد تدرك أي أثر تركه هذا النضال النتي الذي أفرزته محاكاة التجارب العربية الأخرى. هي محاكاة أكثر منها فعل ذاتي. هذا الضخ اليومي للثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن...إلخ.
 أفرز في الخليج شكلا آخر من أشكال المحاكاة، خرج في الكويت طلاب الحسم من البدون للمطابة بتغيير ظروفهم المعيشية. لم يسلم الأمر من تسييس واستغلال من بعض أقطاب مجلس الأمة. في البحرين كانت المطالبات أعلى. في سلطنة عمان أخذ السلطان قابوس روح المبادرة، فأسقط أكثر من وزير من أجل الحد من تأثير التظاهرات. الرياض التي ترقبت الـ 11 مارس، بدت في ساعاتها المختلفة، مدينة عادية، هادئة، لا شيء سوى الصمت، الترقب، والوجود الأمني الذي جاء كإجراء وقائي على هامش المشهد العادي جدا.
عبور من شارع العليا العام، باتجاه مبنى المملكة ومبنى الفيصلية، وصولا إلى أماكن أبعد. شمالا وجنوبا, شرقا وغربا. لا شيء سوى سيارات الأمن. مواطنون يخرجون لقضاء حوائجهم. عدد لا بأس به من الناس آثر البقاء. أصبح اليوم عائليا بجدارة. حتى الشباب الذين كان يحق لهم التمرد على هذا الأمر قرر عدد كبير منهم البقاء. لاذو بالفيس بوك وتويتر وبقية المواقع الإجتماعية. حتى هذين الموقعين، كانا فاعلين. البعض توقع الأسوأ. وردد شائعات بإغلاقهما. كما ترددت شائعة بإيقاف خدمة البلاك بيري. هاهي الصور تتوالى. لم يتم إيقاف أي من المواقع أو الخدمات الإجتماعية. لم يكن هناك أي مظهر من مظاهر الغضب. عودة من الجولة النهارية. في العصر، جولة ثانية. نفس المشهد. نفس الصور. لا جديد.
 في المساء أيضا لم يكن ثمة شيء غير معتاد، عدا الوجود الأمني الذي يحفزك على أن تكتفي من التجول، خاصة بعد أن خرج كل الناس مساء، في أعقاب زخات المطر والبرد. بدا المشهد مبهجا. الكل خرج للاحتفاء بالمطر. تزايد الزحام مساء.
كانت مظاهرة فرح لا غضب. كانت الرياض كالعادة تتيه بكلمات بدر بن عبد المحسن: ما أرقك يا الرياض. فتنضوي تحت بشت كل رجل وتحت عباءة كل أنثى، تعكس بشكل أو بآخر صورة من صور الحب والجمال. إنها الرياض. حتى في محاكاتها للتظاهرات العربية، جاءت تظاهرتها تعكس سلوكها الخاص. لم تكن المسألة أكثر من هواجس نتية، تضخمت في الإنترنت، وتوارت سريعا. وسوف تبقى جمعة الغضب في ذاكرة أهل الرياض، باعتبارها جمعة المطر والبرد والمحبة والإيجابية والإلتفاف من أجل الوطن.
صبيحة السبت، غابت كل المظاهر الأمنية، بدت الشوارع عادية. في زمن قادم، قد يتذكر الناس 11 سبتمبر 2011 باعتبارها كانت جمعة استثنائية، ففي كثير من المنازل، الأسرة التفت بكاملها حول طاولة واحدة وهذا شيء نادر. هذه هي النكتة التي تم تداولها على تويتر وبلاك بيري. 

الأربعاء، 9 مارس 2011

الكذب ... المهنة السرية الباذخة

كلما أمعن المرء في الكذب والخداع زاد احتقاره لنفسه وكثرت عقده التي يبتلي بها من يحيطون به. هذا الأمر يبرر ارتفاع أعداد المعقدين الأنيقين شكلا البشعين من الداخل. 
الكذب والخداع ، يتحول في بعض الأحيان إلى مهنة. يمكنك عندما يسألك أحد عن مهنة فلان من الناس أن تقول : مهنته كاذب.
قد يسبب هذا الأمر نوعا من الغضب، باعتبار أن مهنة الكاذب من المهن السرية. لا أحد يدري من أول إنسان اخترع الكذب؟ لا أحد يمكنه أن يعطيك عقارا يمكنك أن تتعاطاه لتمتنع عن الكذب.
لكن هذه المهنة السرية تتطلب نوعية معينة من الرجال الأشاوس والنساء الماجدات. كيف تصبح كاذبا جيدا ترتقي حتى تصل إلى مرتبة المريد الذي لا يشق له غبار؟ 
عليك أولا أن تختار من شحمه ورم. الإنسان غير الواثق من نفسه، الذي خدمته الظروف والصدف، فتتقرب إليه، وتلفت انتباهه إلى نقاط ضعفه بشكل غير مباشر، وتكون أذنه التي يسمع بها، وعينه التي يبصر بها. بعد فترة من الزمن سوف تصبح يده التي يبطش بها. 
دوما يتحقق للكاذب ما يريد. لأنه يعرف ما يريد. وهو كالحيوان المفترس، يختار فريسته بحصافة، وينهشها بذكاء، فتتحول في يده إلى مادة ينثر من خلالها سموه.
الناس دوما يصدقون الواشي. ويتعاملون مع البريء باعتباره متهما لمجرد وشاية. لذلك يغدو من الصعب اختراق هذا الجدار. لأن مهنة الكذب هي الطاغية، والصدق والوضوح يمكن تصنيفه بمسميات مختلفة  على غرار: هذا شخص مغرض، قليل أدب، لا يحترم من هو أعلى منه، آخذ في نفسه مقلب...إلخ.
هذه الإشارات، تجعل الآخر يتخذ مواقفه من الأمر على هذا الأساس.
من هو الرجل الطيب الذي يقول : حبل الكذب قصير. لقد ثبت بالدليل القاطع أن حبل الكذب أطول مم يتصور هذا الإنسان الطيب. واتضح أن مدارس الكذب لا تبقي لك خيارا، فإما أن تكذب وتصبح واحدا ممن يمتهنون الكذب جهارا ، أو أن تتحول إلى أحد المصفوفات المهمشة، خاصة إذا كانت البيئة التي تتواج فيها فاسدة، وطاردة للصادقين والمخلصين. 

الثلاثاء، 8 مارس 2011

مطلوب تجريم من يستخدم الدين لغرس الكراهية بين الناس



سأقولها وأمري إلى الله: معظمنا لم يختر دينه أو مذهبه بل ورثه عن أسرته. لا فخر لأحد بزعم أنه أفضل من الآخر، لأنه لو ولد في غير مكان سيكون هو الآخر.
 السينما المصرية لمست هذه المسألة في أكثر من فلم، بينها فيلم الإرهابي لعادل إمام، حيث عرض الفيلم بكثير من اللطف مسألة العلاقة بين مسلمي مصر وأقباطها. الأمر نفسه ينسحب على سنة العالم الإسلامي وشيعته. 
هناك من يرغب في تفجير العلاقات بين الطوائف والأديان لأسباب سياسية. المسيحيون في العراق تعرضو لكثير من العنت والتفجير، الذي يهدف إلى تكريس فكرة: صعوبة التعايش.
 الأمر نفسه ينسحب على سنة العراق وشيعته. والسيناريو يتحرك خليجيا، باتجاه البحرين وغيرها من الدول. 
هذا الطرح الأسود اللئيم، علينا جميعا أن نقف ضده. الأصوات غير المسؤولة التي تلح في بث الفرقة وتأجيج الفتنة، لا يمكن أبدا أن تكون أصواتا عاقلة، ولا وطنية.
 في مصر أثبتت الوقائع أن جهات أمنية كانت متورطة في تأجيج ثقافة الكراهية بين المسلمين والأقباط. وفي العراق هناك أكثر من دليل يؤكد أن ثقافة الكراهية بين السنة والشيعة لها جذور سياسية تستهدف بث الرعب والتهيب بين الطوائف. 
إن أمان مجتمعاتنا، أن نحضن بعضنا بعضا. لا يهمني أن يكون جاري نصرانيا أو مسلما على مذهب غير مذهبي. المهم أن يكون إنسانا. الدين المعاملة. والكراهية ليست من الدين. والذي يتبجح ويردد كلاما مخالفا لذلك، إنسان متطرف، يفتش في أوراق التاريخ الصفراء، باحثا في ثناياها عن وقود لفتنة حطبها إخوة التراب.
حتى إن عبر أحد من الغوغاء، من اي طائفة، ورددوا شعارات متطرفة، علينا أن نبرز أصوات العقلاء. علينا أن نقبلهم، ونستوعبهم.
في السعودية، كانت تجربة الحوار الوطني، تمثل نقطة ضوء، لأنها عندما جمعت الناس تحت قبة واحدة، كانت تعكس المعنى الحقيقي للأمة السعودية، بكل أطيافها، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا. كان الناس يتحاورون ويتناقشون في كل التفاصيل. الوطن والوطنية هي الخط الذي اتفق الجميع في كل لقاءات الحوار الوطني على عدم المساس به. 
لقد احتصرت لقاءات الحوار الوطني، تلك الألفة، التي انبت على مدى سنوات طويلة. ولا شك أن من يظهر شعارا أو دعوة تهدف إلى كسر هذه الألفة، هو إنسان مغرض لا يمكن أن يكون من أهدافه مصالح الأمة.
لقد اتسم التاريخ في الخليج العربي، بكثير من الهدوء والتروي، ولم يكن يوما من الأيام متسما بالدموية التي تميزت بها بعض الكيانات العربية الأخرى. والحفاظ على هذا التقليد، عموده الأساس أن تتوقف الأصوات المتطرفة عن ممارسة هذا الشحن الذي يحاول أن يجرجر الخليج إلى أتون مفزع. 
لست هنا أرغب في تناول قضايا عقدية ومسائل يسهب البعض في انتقاء الشاذ من الفتاوى ليغذي بها نظرته المتطرفة. أنا هنا أتحدث عن أوطان ينبغي أن ننأى بها عن مثل هذه الجرعات الحاقدة. بل إنني أتمنى أن يكون هناك أنظمة وقوانين تجرم كل من يفتح القضايا القديمة من أجل أن يخون أو يحط من قدر هذه الطائفة أو تلك.
لم أختر أن أكون سنيا بإرادتي. ولدت سنيا. وصديقي الذي أحب لم يختر أن يكون شيعيا فقد ولد كذلك. وصديقي الثالث الذي يتميز بدماثة وخلق نادر لم يختر أن يكون قبطيا. ولا أحد مكتوب على جبهته هويته الدينية. تلك الهويات مغروسة في دواخلنا. بعضنا يعكسها بشكل إنسانيا لطيف، والبعض الأخرى يحولها إلى فكر متطرف يهدم ولا يبني أبدا.

الطائفية ليست سيف الله المسلول بل سيف الشيطان الرجيم





من آفات الجهل بين العامة في مختلف أرجاء العالم العربي، تهييج الرأي العام ضد فئة أو طائفة أو إقليم أو قبيلة وتعميم الاتهام لها بالعمالة أو الكفر.
هذا التعميم خطورته أنه يجعل الأوطان مهددة، بسبب ضخ الكراهية بين أفراده.
المواطنة الحقيقية أن تختلف مع من تختلف معه دون التلويح بسيف الطائفية المقيتة أو العنصرية البغيضة.
ولنواصل التأمل: الوطن يبقى بكل أفراده وطوائفه، ولكن إيقاعات الكراهية يمكن أن تترك بصماتها على الإنسان.
قد يختلف إنسان مع آخر في طريقته في التعبير، وقد يرفض هذا السلوك ولا يستسيغه.
أنا من الناس الذين يجدون في التظاهر سلوكا يهدد الاستقرار. قلت هذه الآراء إبان أحداث تونس ومصر، وما زلت أكرره.
لكنني في المقابل أجد أن الأخطر من التظاهر، تصوير أن هذه الفتنة نتيجة تقاطعات وولاءات أجنبية.
التأثير ينتج أحيانا بسبب الرغبة في المحاكاة، كما حدث إبان موجة الناصرية، وإثر الثورة الإيرانية، والصورة تتكرر الآن بعد المشاهد التي تشبع منها الناس سفي التغيرات التي شهدتها تونس ومصر وليبيا.
الخليج لم يسلم من الفتنة، فانطلقت الشرارات في البحرين وسلطنة عمان، والحل هو اقتصادي بالدرجة الأولى، وهو الأمر الذي تستشعره كل الدول الخليجية وبدأت التحرك لمعالجته.
الشباب الذين يركبون موجة التخوين لهؤلاء أو هؤلاء، يتسببون في كثير من التأثير السلبي وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. الوطن للجميع. ورفضنا لسلوك التظاهر، ليس مبررا لتسويغ الإساءة لطائفة بأكملها وفتح قضايا وخلافات عقدية تسهم في خلط الأوراق، بدلا من محاولة رأب الصدع، وتجميع القلوب من أجل الحفاظ على مكتسبات هذا الوطن، والإسهام في تعزيز وحدته وولائه لقيادته.
بعض الأصوات قد لا تحب هذا الطرح، لكن مطلوب منها أن تصغي وتحاول التأني في التعاطي مع قنبلة الطائفية، حتى لا تجد مجتمعات الخليج أنها تغوص دون أن تدري في حمأة السيناريو العراقي.
الطرح الطائفي، لم يكن كما يزعم البعض أو يعتقدون : سيف الله المسلول على المخالفين، بل هو سيف إبليس الملعون، الذي يتم تغذيته من أجل تحقيق أهداف تنزع سلام المجتمع، وتهدد أمنه.
لقد تمت ممارسة لعبة التهييج الطائفي من مختلف الأطراف، ولا يوجد أحد يمكن تبرئته، لكن الحقيقة أن دين المسلمين الذي يسعه أن يستوعب المسيحي واليهودي ويقبله كمواطن عليه وله ما للمسلم. هذا الدين لا يمكن أن يضيق فيمن يعتقد بهذا المذهب أو ذاك، ولكنه في المبتدأ والمنتهى يقول : لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

الأربعاء، 2 مارس 2011

الإصغاء حضارة



بين جملة: أنا فهمتكم. وعبارة: نحن لسنا مثل مصر وتونس. التي ترددت في أكثر من بلد عربي، ظهر أن الإرسال والإستقبال لدى هذه الفئات يعاني من خلل. الطرف الأول يرغب أن يصغي إليه أحد، وأن يكون متفاعلا مع مطالبه. والطرف الآخر لم يتعود على الإصغاء، وإن أصغى لا يسمع إلا ما يريد أن يسمعه.
والحقيقة أن هذه الظاهرة ليست حكرا على بعض المسؤولين في العالم العربي. هناك أفراد في كل مكان لم يتعودوا على الإصغاء. هم يتحدثون فقط، وليس لديهم قابلية للإصغاء. ولذلك تراهم يبادرون بالمقاطعة. ومعنى المقاطعة إخراس أي صوت عاقل أو صاحب وجهة نظر. نتيجة هذا الأمر تنعكس على أوضاع المنشآت، إذ يسود مفهوم : هذا ليس شأنك. وعندما تتسع دائرة: هذا ليس شأنك. يغدو الأمر بأكمله في يد واحدة. هذه اليد العليا في المنشأة التجارية، أو المنشأة الثقافية، أوالمنشأة  الإقتصادية، ... إلخ. تصوغ الأمر كما يمنحه إياها صوتها وحسها وشعورها وتصورها. هنا نحن نتحدث عن الهيكل الأسطوري للبرج العاجي، هذا البرج الذي يسكنه المرء وهو يتخيلون أنهم يعرفون كل شيء. فإذا بهم يكتشفون في نهايات الحكاية أن الصورة مختلفة. وقتها، لا تجدي عبارة: أنا فهمتكم. الإصغاء الجيد هو الذي يعطي الفرصة لتقييم الأمور بشكل جيد.


http://bit.ly/gigAeQ 

الثلاثاء، 1 مارس 2011

هرمنا...هرمنا



بدا الصوت وكأنه آت من زمن بعيد، يحمل الكثير من الإنكسار والحسرة والضعف. كان ذلك العجوز التونسي الذي ظهر في كل القنوات وهو يردد: هرمنا..هرمنا. يعطي تلخيصا للأحلام البسيطة، الأحلام التي تأجلت كثيرا، ولم تتحقق. هو صوت يجسد صورة من الصور التي يكتنزها عالمنا العربي.
أحيانا عندما أتأمل، أتصور أن ما يتمناه الإنسان لا يبدو مستحيلا، هي أشياء بسيطة للغاية: وظيفة كريمة، وبيت صغير، وحياة وادعة لا يشوبها تنغيص من موظف لم يتعلم أن الضمير الطيب خير وسادة.
بالأمس تعمدت أن أبتعد عن كل القنوات الإخبارية، وأن أقلب الريموت على القنوات العربية الحكومية. بدت مختلفة عن ما تقوله الفضائيات الخاصة أو هكذا تخيلت. أصبحت ترصد بشكل أكبر حاجات الناس. تتيح مساحات لاقتناص أحاديثهم.
 الشيء الغريب أن الأحاديث كلها تتفق على مطالب بالإمكان أن تتحقق، لو توفرت الإدارة المناسبة. يقول البعض إن أحلام شعوب عربية تم اختطافها من قبل قنوات إخبارية كالجزيرة، وأخذت تتاجر بها وتستغلها أسوأ استغلال. وهذا كلام ليس بعيدا عن الحقيقة.
 لكن الشيء الحقيقي أيضا أن من يصنع الغضب ويكرسه في نفوس الناس ليس شرطا أن يكون وزيرا أو مسؤولا كبيرا. هو غالبا موظف صغير لا يعلم أن قضاء حاجات الناس واجب عليه أن يؤديه حتى لا يهرموا وهم يكابدون. الأمر يحتاج إلى إدارة. يحتاج إلى إخلاص وضمير يستطيع المسؤول الأكبر أن يعتمد عليه. ويحتاج إلى عدم اعتبار أن كل صوت مختلف هو عدو أو صاحب غرض ومصلحة غير سوية. 

من تدويناتي القصيرة على تويتر : 9 تأملات حول ما جرى ويجري

تأمل (1) : الأحداث التي يشهدها العالم العربي أفرزت مصطلحات جديدة. الثورة صارت كلمة سهلة. لم يعد أحد يأبه أو يخاف من ترديدها. والتظاهر صار موظة.
تأمل (2): التسميات المصاحبة لأحداث العالم العربي هي الأخرى أخذت أبعادا ربيعية ورومانسية تتضمن مصطلحات ملونة مثل الياسمين.
تأمل (3): أبرز التغيرات ظهرت في تلك الجولة السياحية التي عرف من خلالها العرب عن بعضهم ما لم يعرفوه من قبل عن المدن ...شارع شارع..وزنقة زنقة.
تأمل (4): برز على السطح دور الإعلام الجديد وأصبحنا نلمس نبضا مصريا وتونسيا وسودانيا..إلخ لما يجري في ليبيا أو اليمن مثلا.
تأمل (5): من سلبيات الظاهرة إفراط البعض في حماسه إلى حد التطرف في الآراء، وبرزت ظاهرة : إن لم تكن معي فأنت ضدي. وكلمات : حاقد، جاحد، عميل.
تأمل (6): أفرط البعض في إسباغ الوطنية على قناة الجزيرة، وهذا تعاطي عاطفي ساذج مع المسألة ذات التمددات الخارجية ... إعلاميا على الأقل.
تأمل (7): سقط في الأحداث الأخيرة كثيرون في فخ الترميز والتصنيم. وصار هناك فرق إنتحارية تقول كلاما في لحظة عصبية ثم تندم عليه.
تأمل (8): كشفت الأزمة علماء ومشايخ ينطبق عليهم المثل : عين في الشحمة وعين في اللحمة. كان الفرز قويا. لم يكن لديهم فرصة المناورة كما يفعلون.
تأمل (9): حاولت دول أن تطرح نفسها كحامية للثورات العربية ـ الدوحة أو الجزيرة سيان ـ بينما حافظت بقية الدول على دبلوماسية عدم التدخل.
@kalsuhail





الأحد، 19 ديسمبر 2010

الليبرالية الموشومة


كان الدكتور عبد الله الغذامي جريئا وقاسيا في محاضرته التي ألقاها الإثنين الماضي في جامعة الملك سعود تحت عنوان "الليبرالية الموشومة". المحاضرة تم بثها بشكل مباشر عن طريق موقع الجامعة على الإنترنت، وبالتالي تهيأت متابعتها لكثيرين ـ أنا منهم ـ ممن لم تتح لهم فرصة الذهاب إلى الجامعة لهذا الغرض.
الدكتور عبد الله الغذامي الذي اعتبر أن أهم قوانين الليبرالية حرية الرأي وحرية التعبير يجزم أن كثيرين لا يعون هذه المسألة، فالليبرالية تبدو شديدة التشوه في العالم العربي. وهي جلباب يلبسه من لا يستطيع أن يكون حداثيا أو إسلاميا، باعتبار أن مصطلحها غير الواضح يجعلها مسمى يتخذه من لا يجد مسمى آخر يناسبه. المحاضرة تضمنت استعراضا للصورة الذهنية لليبرالية في المخيلة الاجتماعية. وهي صورة تبدو مغايرة للمصطلح، إذ إن العرض الذي وضعه عبد الرحمن الوابلي لها من خلال حلقة طاش ما طاش ـ على سبيل المثال ـ لم يكن دقيقا ولا يعكس ما يتضمنه المصطلح من مفاهيم وأفكار، وإنما يقدم نظرة المجتمع لها. المحاضر أصر على اعتبار أن المجتمعات العربية ومن بينها مجتمعنا تخلو من خطاب ليبرالي حقيقي.
من المؤكد أن صوت جامعة الملك سعود، وهو يمتد عبر فضاء الإنترنت بشكل مباشر، أمر يستحق التنويه. ولا شك أن الغذامي المثير للجدل بشكل مستمر سوف يجد أمامه في الفترة القادمة سلسلة من النقاشات سواء مع بعض من أشار إليهم في المحاضرة مثل الدكتور تركي الحمد، أو ممن عرض لمواقفهم من أولئك الذين لبسوا جلباب الليبرالية باعتبارها موضة. الشيء اللافت أن المداخلات الرجالية والنسائية أضافت مزيدا من الألق والتميز على المحاضرة، إذ جاءت غالبيتها في ذات الموضوع ولم تخرج عنه إلى دوائر أخرى كما يحدث أحيانا في محاضرات شبيهة.

خصوم الغذامي



واجه الغذامي إثر محاضرته في جامعة الملك سعود تحت عنوان الليبرالية الموشومة، هجوما ممن يرون أن ما طرحه لا يعدو أن يكون انطباعات فقط. ورأى البعض أن المحاضرة أعطت التيارات المخالفة فرصة للتشفي. وهذا الطرح يعكس ضحالة لدى من يؤمن به، إذ إنه يؤكد طروحات الغذامي ولا ينفيها. فالقناعات التي لا تتمتع بالحصانة من داخلها لا يمكن أن تحمي نفسها.
يبدو أن مشكلة الأيديلوجيات العربية لا تتعلق بالقناعات التي تتكئ عليها، بقدر ما تتعلق بكيفية التعاطي مع هذه الأيديلوجيات. وكثير من المتحزبين، يصبغون هذا التحزب بالصبغة الشخصية التي تجعل الفكرة تصبح كائنا حيا يتحرك بها شخص فتتكيف هذه الفكرة حسب هيئته وشكله وقناعاته، فيصيبها ما يصيبه من سمنة وضعف ... إلخ.
هذا النموذج نراه على هيئة ممارسات يومية، إذ لا يمكن على سبيل المثال أن تتقبل عقلا ومنطقا من شخص متدين تجاوزا للأنظمة والقوانين المرورية مثلا، ومع ذلك فالواقع يقول إن هذا يحدث، ولا يردع هذا الشخص عن هذه الممارسات لا قناعاته ولا هيئته.
هي نماذج بسيطة من المهم استحضارها كي ندرك أن هناك بون شاسع بين النظرية والممارسة. ويمكن أن نخضع كل التوجهات لهذا المعيار. المثقف الذي يؤمن بالحوار والديموقراطية ولا يكف عن الحديث عنها، ثم يخالفها في بيته وفي مقر عمله وفي الشارع، لا يمكن أن نسميه مثقفا. هو خارج التصنيف، قد يكون رأسه ممتلئا بالمعرفة لكنه فارغ من المحتوى الذي يجعله يكيف هذه المعرفة بشكل منطقي بحيث تغدو ممارسة.
رأيي أن الغذامي في محاضرته حول الليبرالية لم يجانب الصواب، إذ إنه أعطى نماذج من الواقع، وترك للآخرين إما إقصاؤه ـ وهم بذلك يناقضون جوهر الخلاف الذي لا يفسد الود ـ أو القبول بالحقيقة ومحاولة معالجتها.

الثلاثاء، 23 نوفمبر 2010

لا طوارئ دون محرم



إن صح ما يقال عن امتناع جهات مثل الدفاع المدني عن مساعدة امرأة قام طفلها من ذوي الاحتياجات الخاصة بإغلاق الباب على نفسه، بحجة أنه لا يوجد محرم في البيت أمر يحتاج إلى حل. لا يمكن أبدا أن يكون غياب المحرم لأي سبب ـــ الحج مثلا ـــ مانعا لمثل هذه الجهات من تقديم المساعدة.
لا لوم على هذه الجهات طالما أن لديها قرارا يمنعها من ذلك. لكن مثل هذا النظام يحتاج إلى إلغاء سريع، لأنه لا يستقيم مع المنطق.
من المؤكد أن تحرير هذه الأنظمة جاء لأهداف نبيلة وفاضلة، لكن الأمر فعلا لا يتسق مع الحاجات الأكبر والأسمى، فوجود شخص يحتاج إلى مساعدة في منزل لا يوجد فيه محرم لا يمكن أن يكون مانعا من تقديم المساعدة.
إن الخدمات التي تقدمها هذه الجهات لا تختلف عن أي خدمات تتلقاها المنازل من جهات تعمل في القطاع الخاص وتعتمد على خدمة التوصيل المنزلي. لكنها تتفوق عليها في أن من يطلب خدماتها يطلبها لأنه يحتاج إليها بشدة. فالمسألة لا تتعلق بالحصول على وجبة من مطعم عن طريق التوصيل المنزلي، بل إنها تتعلق بقضية مصيرية. وعندما تتصل سيدة لطلب شيء معين لتوصيله إلى المنزل لا يسألها الشخص الذي على الطرف الآخر: هل يوجد محرم في المنزل أم لا؟ ثم يعتذر لها بلطف أنه لا يستطيع خدمتها لأنه لا يوجد محرم. والأولى أن لا تعتذر أي جهة عن مساعدة سيدة بعذر أنه لا يوجد لديها محرم في المنزل.

السبت، 20 نوفمبر 2010

أحجار القمر تنسج لغة الحلم في الرياض وتتألق شبابًا


أحجار القمر تنسج لغة الحلم في الرياض وتتألق شبابًا
العاصمة التي يعشقها من يفك رموزها.
بدا الأمر أقرب إلى اللقاء الحلم بين شخصين، أعادا تشكيل علاقتهما مع مدينة، نسجاها من أحجار قمرية مضيئة، فتحولت إلى بدر يتغلغل عشقه في النفس، حتى إذا مضيت أو نأيت، اكتشفت أنك تشتاق إليها.
الرياض: خالد السهيل
suhail@srpc.com
تصوير: هشام نصر شما
الرياض مدينة الأبيض والأسود، لا تعرف الحياد، هي مثل طقسها غير المحايد، البارد شتاء والحار صيفًا. بعضهم قد يشعر عند زيارته لها في الوهلة الأولى ببعض الغربة، لكنه إن أتقن قراءة رموزها لا يملك إلا أن يعشقها. وهذا ما يؤكده صديق فلسطيني يمم صوب كندا بعد سنوات طويلة من السكنى في الرياض، لكنه لا يزال يعود إلى الرياض من حين إلى آخر.
تتكئ الرياض على إرث ضارب في عمق التاريخ، لكن يندر أن تجد من يتذكر هذا، فحضور الرياض الطاغي لا يحتاج، برأيهم، إلى أن تفتش في زوايا التاريخ، ولا أن تسائل التخوم عن شخوص خطواتها تعطي صدى الزمن الذي عاصرته وتعيد صوغ حكايته.

رقة الرياض.. رمزها الخفي
لعل الأغنية التي صدح بها الفنان محمد عبده، منذ سنوات، ويتحدث من خلالها عن رقة الرياض وعذوبتها، حاولت أن تعكس جزءًا من شاعرية المدينة التي تخفيها زحمة المكان الذي يحتضن نحو خمسة ملايين إنسان، 40% من سكان الرياض لا تتجاوز أعمارهم الخامسة عشرة. هذا يجعل حيوية الرياض تستمر نهارًا وليلاً. ولهذا السبب تجد رواجًا أكبر للمحال التي تتوجه إلى هذه الشريحة مثل محال الكوفي شوب التي تنتشر في مختلف الأحياء حاملة أسماء عالمية ومحلية.
وأصبحت تلك المقاهي بديلاً للجلسات المنزلية الرتيبة، وبدأت هذه الممارسة العصرية تحل محل أسلوب الأجيال السابقة الذين يرون أن واجب الضيافة الحقيقية لا يتم إلا داخل المنزل. لكن فكرة الزيارة للمنزل في عرف الشباب تبدو غير ضرورية، إذ إن اللقاء في الكوفي شوب أجدى، بل إن جولة بالسيارة في شارع العليا أو شارع التحلية أو التوجه إلى الفيصلية أو المملكة أو أي من المولات التي تمتد في مختلف الاتجاهات في الرياض، تمثل خيارًا أنسب لأبناء الرياض وبناتها وزوارها أيضًا، وهناك من يلوذ بالأرصفة المخصصة للمشاة، وهو سلوك أصبح شائعًا في الرياض، وقامت أمانة المدينة بتشجيعه بإعادة صياغة كثير من الشوارع بشكل يجعل هذه الشوارع صديقة للمشاة.
وبالعودة إلى التوأمة بين الكلمة واللحن التي أعادت تشكيل صورة الرياض، أضاء الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن والفنان محمد عبده، مساحة مغمورة بالحب، وعكسا صورة من صور التعلق والوله، هذا التعلق تحول إلى غواية، تتملكك منذ اللحظة الأولى، حين يتهادى اللحن مثل شلال يعرف مساراته، فيمهد في الإطلالة الأولى للكلمة:
في الليالي الوضح
والعتيم الصبح
لاح لي وجه الرياض
في مرايا السحب
كفّها فلة جديلة من حروف
وقصة الحنا طويلة.. فـي الكفوف
هكذا هي إذًا الرياض في لغة عاشق وفي لحن عاشق آخر وصوته، عذوبة كلمة في عذوبة لحن في عذوبة غناء. وفي حضور الرياض تستمر ثنائية العشق حتى تصل إلى ذروتها حين يقول:
آه.. ما أرق «الرياض» تالي الليل
أنا لو أبي
خذتها بيدها ومشينا
إتقان حب الرياض، والتعلق بها، يحتاج إلى عاشق عارف، مثلما هو حال الشاعر العذب بدر بن عبدالمحسن، الذي أعاد رصف الطريق من أجل كتابة قصيدة جديدة لها إيقاعها الخاص الذي حاول كثيرون تقليده، ويبدو أنه حتى هذه اللحظة لم ينجح أحد في محاكاته.
من كندا.. ما زلت في الرياض
«إنها الرياض»، هكذا يغمغم الرجل الذي كان يجلس في بهو فندق الفيصلية. يضيف: تعرف أنني كنت أعيش في الرياض، غادرتها مهاجرًا صوب كندا، ولكنني أعود إليها لأنني أشعر بأن أجزاء مني تلتصق بهذا المكان ولا تريد أن تلحق بي إلى مكان هجرتي.
هنا ذكريات طفولتي، أصدقائي، وبيتنا العتيق الذي اختاره والدي كي نلوذ به بعد أن خرجنا من فلسطين ذات لجوء، واختارتنا الرياض لتكون محطتنا الحنونة، نسيت أنني من هناك، لم أنتبه لمثل هذه التفاصيل، كان يقيني أننا من هنا.. «إنها الرياض!» يقذف بالعبارة بحب.
خرج صاحبي مغادرًا الرياض، لكنه لا يزال يحملها معه، وهو وإن كان قد حمل الجواز الكندي، إلا أنه يؤوب دومًا إلى الرياض، يهاتفني: هييه، نلتقي في الفندق أو في الكوفي شوب؟ يجلس يتحدث عن تفاصيل المدينة وكأنه لم يغادرها أبدًا.
ذات يوم، كان يقول: مثلما يجلب رائد الفضاء أحجارًا قمرية، وتتحول مع الزمن إلى مقتنيات غالية، تضع قصيدة البدر مدخلاً مهمًا، خصوصًا لأولئك الذين لم يزوروا الرياض من قبل، أو زاروها لمامًا ولكنهم لم يتمكنوا من الدخول في تفاصيلها.
نعم، إنه يستحضر دومًا أغنية «ما أرقك يا الرياض» ويدندن بها، وقد تلمح خلف نظارته لمعة ماء مالح!
حسنًا، ما الذي قلته هنا؟
هل كانت كتابة عن الرياض أو للرياض؟ أم أنها كتابة عن مهندس الأغنية بدر؟ أم أنها عن محمد عبده؟
أظنها أرادت كل ذلك، ولكنها لم تقل شيئًا عن أي شيء.
لا تنسوا أن تبتسموا وأنتم تزورون الرياض، فثمة أكثر من لمحة فريدة لن تجدوها في غير الرياض، وأبرزها بذرة نشاط مسرحي يمتد لأشهر طويلة من العام، خصوصًا في أوقات الإجازات والأعياد، وهو فعل عصري تتفرد به الرياض بين كل المدن السعودية.




الأربعاء، 10 نوفمبر 2010

أسعد الناس


أسعدُ الناس إنسانٌ ترجَّل عن جواده، فأكثر الناس من الثناء والترحم عليه، فالناس شهود الله في أرضه. غاب الدكتور محمد عبده يماني ـــ يرحمه الله، وقبل غيابه بساعات، تناقل الناس خبر نقله إلى المستشفى، وهم يلهجون بالدعاء أن يكلأه المولى بالصحة، لكن لكل أجل كتاب. وهذا حال الدنيا. وداع يتلوه وداع. ورب مودع اليوم لآخر، تلقاه في الغد محمولا في رحلة وداع سوف يشارك فيها محمولا بدلا من مسيره بالأمس على قدميه.
غياب محمد عبده يماني يأتي حاملا في ثناياه عبرة الأيام، فالأجيال تتلاحق في مسيرة لا تتوقف. والعبرة في الأثر والبصمة التي يتركها المرء قبل أن يترجل من على صهوة هذه الحياة.
كان محمد عبده يماني ـــ يرحمه الله ـــ نموذجا من نماذج العطاء، أخلص لربه، ثم لقادته ووطنه. حمل في ثنايا قلبه إنسانية كبيرة، وكانت أفكاره تمثل ينبوعا يثري من خلاله النفوس بعطاء لا يتوقف. عرفته أمته وزيرا للإعلام، ومفكرا وقاصا جميلا. وفوق هذا وذاك عرفته رجلا من رجالات الخير والعطاء.
كانت مجموعته القصصية "مشرد بلا خطيئة" من الكتابات المميزة، التي نقل من خلالها صورتين للتشرد، الصورة الأولى تشرد الفلسطيني عن أرضه، والصورة الأخرى هي صورة التشرد الناتج عن الافتقاد إلى الهوية كما في شخصية "مولوي".
عكست تجربة الدكتور محمد عبده يماني بعد الوزارة ثراء نادرا، فغيابه عن المنصب لم يجعله يعتزل الحياة العامة. بدا وكأنه تفرغ بعد الوزارة لإثراء الحياة العامة والعطاء المستمر. إنه نموذج مميز ينبغي أن يستحضره كل من تقاعد من عمله. رحم الله الدكتور محمد عبده يماني وأسكنه فسيح جناته.

الاثنين، 8 نوفمبر 2010

غرسة حب

قال لي : ازرعوا الحب حيثما تكونون
لا تنتظروا مكافأة على ذلك
اجعلوا هذا الحب ينتشر بين الجميع
لا تتوقعوا من الآخرين أن يقابلوكم بالحب. لا تنتظروا مقابل فعلكم حبا مشابها. بعض النفوس تحتاج وقتا أطول كي تتعلم الحب.
... يتابع الصوت الآتي من بعيد: المحبة علاج له مفعول مختلف.

أحقيتنا أن نكون كما نريد




أن نكون كما نريد، دون استلاب، ولا قسر، ولا فرض يستهدف كسر الأنوف. هذه مسألة تسبق أي شيء آخر. حق المرء في الاختيار، حق المجتمع، وحق الأمة... هي سلسلة متصلة تتقاطع مع الطروحات الممتزجة بصلف الأمة الغالبة التي تطرح مشروع الشرق الأوسط الكبير.
لنا كأمة ذات تراث حضاري أن نقول نعم لما نراه موافقا لنا، وأن نقول لا لما نجزم أنه يخلط الأوراق ويجعل القاتل والضحية صنو ين، يفرض أن يندغما وينسجما ويقبلا بالأمر الواقع. هنا تتحول إسرائيل في عصرها المهيمن، إلى حارس من حراس القيم والمبادئ، في الوقت الذي تضع فيه لائحة اغتيالات طويلة تشمل كل من يقول لا للهيمنة التي تتسلل تحت الجلد والعظم. إنه قانونها الخاص. وهو قانون مرن، ينفي عنها صفة الإرهاب، فيما يتم توزيعه على الآخرين بالمجان!
إن الإشكالية التي تثيرها القضايا الآنية المتلاحقة، لا يمكن تلخيصها من خلال مناقشة لمشروع، إذ هي تستهدف أن يكون هناك انقياد بالطاعة، من الحكومات والشعوب، دون أن يكون لثقافة الزمان والمكان أي دور. بل دون أن يكون للعقل أحيانا أي فعل. المطلوب فقط هو الالتزام بالأجندة المطروحة بشكل طوعي، مع التلويح بتطبيقها بشكل آخر إن لزم الأمر.
هذه المسألة، جعلت العقل العربي يشهد نوعا من الانقسام، البعض اعتلى الموجة باختياره باعتباره حرا، والبعض قرر أن يركب الموجة باعتباره يريد أن يبدو متحررا، فيما بقيت فئة ترقب المشهد، تتأمله، تقرأه، وتحاول أن تخرج من خلاله بصورة محايدة. وهناك فئة أعلنت الرفض دون أي تفكير.
موقف المثقف من الأزمة، يعكس كيف أن سياقنا الذي تشوه كثيرا، أفضى ببعض المثقفين إلى اعتمار قبعة الغالب، والمزايدة في السوبر ماركت الكبير الذي لا يتم من خلاله استعراض كل البضائع، بقدر ما يجري تسويق ما يتوافق مع موجة تتخذ زاوية عوراء في التفاعل مع الكرة الأرضية وإشكلاتها، فتبتسرها وتضغطها حتى تتحول إلى رقعة صغيرة يجري العمل على تفصيلها وفق مقاييس موحدة.
ينبغي هنا التوضيح، أن القناعات هي ملك لكل إنسان، لكن ثمة خيط دقيق يفصل بين هذه القناعات وتقاطعها مع مسائل ترتبط بالأرض التي يسكن عليها والسياق الثقافي والاجتماعي السائد...الخ. وأي محاولة لخرق هذه النماذج، سعيا للإلغاء والمصادرة، يرقى أحيانا إلى حد الخيانة. إذ أن هناك فارق بين نقد الذات بهدف الإصلاح، ونحر الذات من أجل أن تسود وتستحوذ فكرة وافدة، ربما لم يتم تهذيبها وتكييفها لتصبح صالحة للاستهلاك المحلي على مستوى المنطقة.
لكن من ذا الذي يجروء على الزعم حتى أن النسق المطروح للتغيير يمكنه أن يصل إلى نهاية واضحة وحقيقية وملموسة؟
إن أجندة تغييرالشرق الأوسط ، تستهدف أن يكون الإنسان، أليفا وحليفا، وأن يكون مرنا وقابلا لاستيعاب سلسلة من المسلمات ـ المفترضة ـ التي لا تدخل في منظومة المتعارف عليه. المسألة لا تكتفي بذلك بل تتطلب تأهيل من يخرج عن النص، وتهيئته حتى يكون إنسانا لائقا بالحضارة الجديدة!
هذه المخاوف تتعزز من خلال مراقبة الأصوات الصادرة من الضفة الأخرى. إذ أن هذه الأصوات لا تكتفي بما تفرضه الأطر العامة المتعارف عليها عبر المنظمات والمؤسسات الدولية. بل تدخل إلى المكون الثقافي والتاريخي. وتفترض أن الإشكال الأساسي فيهما، في محاولة لعزل عناصر أخرى أكثر وضوحا، مثل حالة الفقر التي خلفها الاستعمار، والأوضاع المتفجرة التي أفرزتها عملية رسم الحدود، والعنصر الصهيوني الذي تم زرعه وسط النسيج المكون للمجتمعات الشرق أوسطية...إلى آخر قائمة العذابات التي يدفع الناس ثمنها دون أي ذنب. بعد كل هذا، يتم القفز على الفصول، ويتحول التغيير إلى استهداف وتحريض.
إن بناء المجتمع المدني، لا يفترض أبدا أن تتحول الممارسات الثقافية وحتى النسق الاجتماعي إلى مسخ. ليس من الضروري أن ننساق وراء دعوات تكسير القواعد التي تمثل مصدر ثراء لنا. حتى إن لم يجد فيها الآخر ما يثير شهيته كي يدرجها ضمن المكتسبات الحضارية للمجتمع المدني. إن قابلية بعض المثقفين لدينا على أخذ كل ما يأتي من الضفة الأخرى بتسليم، سوف يجعلهم يصلون ذات حين، إلى مأزق خطير خاصة إذا ما تم تطوير آلية المطالبات الصهيونية ـ على سبيل المثال ـ التي تستهدف تنقية القرآن الكريم من كل إشارة تكشف بعض الممارسات غير السوية لأسلافهم. هنا سيجد هذا المثقف نفسه أمام مأزق خطير. إذ أنه في المرات السابقة، كان كمن يخلع بعض ملابسه، لكنه بعد أن يتخلص من كل قطعة، سيجد نفسه يتهيأ لمرارة سلخ الجلد وما تحته، ولن يستطيع.



مقال قديم نشر لي في صفحة الرأي في جريدة الاقتصادية في 29/3/2004

بكاء تحت المطر


في كتاب "الحب عند العرب" لأحمد تيمور، وهو من إصدارات دار المعارف في سوسة في تونس، يورد المؤلف هذه الحكاية. يقول: "أخبرنا أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، قال: سألت أبو الفضل الرياشي عن معنى قول الشاعر:

الريح تبكي شجوها
والقلب يلمع في الغمامة

فقال: هو عندي كقولهم: ويلي للشجي من الخلي. ومعناه: إن البرق يضحك والسماء تبكي".
كتب شعراء كثيرون على السياق نفسه، فالشاعر عبد الوهاب البياتي في قصيدته "أولد وأحترق بحبي" يقول في رثاء يارا: أستنجد بالحرس الليلي لأوقف في ذاكرتي هذا الحبّ المفترس الأعمى, هذا النور الأسود, محموما أبكي تحت المطر".
وفي المعنى نفسه تجد أن الفكرة تسللت حتى إلى الغناء الحديث،.. فتجد أغنية أجنبية ـ لا أتذكر تفاصيلها الآن مع الأسف ـ تشير إلى البكاء تحت المطر "كي لا يراني الناس وأنا أبكي".
لم نعد نلتقط مثل هذه المعاني في إبداعاتنا وفنوننا الحديثة. وتمضي الأغنيات المعاصرة في تكريس الساقط من الكلمات، والساذج من العبارات، في حين تتوارى الكلمات المحلقة التي كنا نسمعها بأصوات الأجيال السابقة أمثال محمد عبده وفيروز وطلال مداح وأم كلثوم. وصار من النادر أن تسمع أغنية تشبه "شتي يا دنيي" لفيروز أو "البرواز" لمحمد عبده أو "أغراب" لطلال مداح، أو حتى "المسافر راح" لراشد الماجد.
غابت هذه المعاني وساد بيننا عصر شعبان عبد الرحيم وهيفاء وهبي، ولا أريد أن أستثني بعض فناني الخليج، ولكنني لن أسمي أحدا.

مكابدة الألم



''لا يؤلم الجرح إلا من به ألم''. هذه حقيقة يسهل استيعابها. إذ لا تتوقع أن يتألم الآخر بالنيابة عنك. قد يتعاطف مع هذا الألم. لكنه لا يستطيع أن يجاري صاحب الهم في همه.
وحال المرأة لدينا مع التوظيف تبدو كذلك. صحيح أن الكل يتحدث عن توظيفها. ووزارة العمل تؤكد أن نسب البطالة بين النساء مرتفعة. لكن الحركة البطيئة في عملية معالجة المشكلة، يصيبها أحيانا تعثر، لأسباب من خارج بيئات العمل. والأمر أصلا لا يحتاج إلى مثل هذا المحفز، كي تتعثر عمليات استيعاب النساء في قطاعات الأعمال.
لقد ظلت المرأة لسنوات طويلة أسيرة فكرة العمل في قطاع التربية والتعليم. ولكن القطاع رغم حجمه الكبير لا يمكن أن يتجاوب مع مطالب ورغبات جميع الراغبات في العمل.
بادر القطاع الخاص إلى محاولة استيعاب المزيد من النساء. وكانت خطوة استقطاب حاملات الشهادة الثانوية من أجل تقديم الخدمات للأسر في المحال التجارية آخر ما شهدناه، وكان المجتمع يعول عليها من أجل استيعاب ما لا يقل عن 20 ألف فتاة سيسهمن في تخفيف نسب البطالة وتقليص أعداد العمالة الوافدة.
حاليا يتعرض المشروع بأكمله للتعطل، وبعض المنشآت التي بادرت بتشجيع هذه الخطوة قررت التراجع. المشكلة أن الحديث عن أي بدائل لتوظيف المرأة تبقى مجرد أحلام وأمنيات. عمل المرأة لم يعد ترفا. إنه حاجة وضرورة يتطلبها واقع الحياة المعاصرة. يكفي أن نعلم أن الراتب المحدود الذي لا يتجاوز 1500 ريال شهريا في المدارس الخاصة، يمثل للكثيرات طوق النجاة، الذي يحميهن من كل سوء.

الجمعة، 5 نوفمبر 2010

غازي القصيبي ... إبداع ضد النسيان

(( هذا الموضوع طلبه مني الزملاء في مجلة أهلا وسهلا الصادرة عن الخطوط السعودية، وبالفعل تم نشره في عدد شهر سبتمبر 2010))

غازي القصيبي..إبداع ضد النسيانأفكاره المحلقة، وأشعاره المبدعة، وكتاباته المنثورة، أشاعت لغة فارهة، كانت محط نظر المعجبين والخصوم.صورة مرسلةفي الرواية الأخيرة، التي صدرت للدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي عن دار بيسان، وتحمل اسم «الزهايمر»، يلوح في ثناياها، عبء النسيان الذي يداهم الذاكرة في فترة الشيخوخة، فتغيب التفاصيل.
الرياض: خالد السهيل
هذه الضبابية التي يدلف من خلالها بعض الناس في أواخر العمر، أحالها الأديب والمفكر والشاعر والوزير غازي القصيبي، إلى بوابة يخاتل من خلالها ذلك البياض الذي يبدو كستارة تمتص الصور والحكايا، فلا يبقى سوى بقع محدودة تظهر لتتوارى.
ذاك الوميض الذي يبدو ضئيلاً، يلتقطه القصيبي ليشغل من خلاله نسيج رواية نادرة، يقدم عبرها رؤاه وحكايته في سلسلة رسائل يكتبها لزوجته، لتغدو تلك الرسائل في مجملها قصة حب لا تطفئها برودة الزهايمر، بل تعطيها دفئًا.
كان من المقدر أن تصل هذه الرسائل إلى زوجته في أعقاب وفاته. هذا النسيج الذي يطفو ليغيب، يعبر عنه الكاتب مؤكدًا أنه «بلا ذاكرة لا يوجد سوى الفراغ.. فراغ الموت». ذلك أن العقل يغدو إثر الإصابة بالزهايمر «عقل حبة طماطم أو كوسة أو بامية».
لم يكن القصيبي يعاني النسيان. كان يبدو ضد النسيان، وضد اليأس، وضد الخوف، وضد المواربة في طرح أفكاره ورؤاه.. هذا الأمر وضعه في عين العاصفة منذ بداياته الأولى.
أفكاره المحلقة، وأشعاره المبدعة، وكتاباته المنثورة، أشاعت لغة فارهة، كانت محط نظر المعجبين والخصوم. لكن الشيء الذي اتفق عليه كل خصومه، أنه كان فارسًا نبيلاً في خصومته، لهذا السبب قرأنا في أعقاب وفاته شهادات ممن كانوا على خصومة معه، تؤكد فروسيته ونبله، وقابليته لأن يجعل خلافه الفكري يعني استمرار الحوار، فهو أيضًا ضد القطيعة مع من يختلف معه.
الذين يحاولون مجاراة غازي القصيبي في ذاكرته، سيتذكرون صولاته وجولاته، وكتاباته في الصحف المحلية، ودأبه على النشر شعرًا ونثرًا، حتى أصبحت تلك الصفة أمرًا لافتًا. فالرجل كان منشغلاً بكَمٍّ كبير من المسؤوليات والأعباء. ولكنه كان حاضرًا من خلال كتبه في المشهد الثقافي بشكل لافت. وبقي حتى في أيام مرضه، يمسك بالقلم ليخط إبداعاته الشعرية والنثرية. لهذا السبب لم يستغرب أحد أن تأتي «الزهايمر» التي كان يراجع مسودتها وهو على فراش المرض.. بل إنه أعاد المسودة إلى الناشر عقب مراجعته لها قبل وفاته بأيام قليلة.
علاقة غازي القصيبي بالسنوات وبالموت علاقة لصيقة، ولم يكن يكتنف هذه العلاقة فوبيا الرحيل والغياب. الموت حقيقة، وإيقاع السنوات حقيقة أخرى.. وهو في كلتا الحالتين أبدع في تجسيدهما.
كان القصيبي يعيد صياغة إيقاع السنين شعرًا، هو مثلاً عن الأربعين يقول:
مالت على الشعرات البيض تقطفها
يارا، وتضحك: لا أرضى لك الكبرا
يا دميتي هبك طاردت المشيب هنا
فما احتيالك في الشيب الذي استترا
هذا الإيقاع نراه يتواصل، وقد لفتتني قصيدته التي نشرتها جريدة الجزيرة في 22/5/2005 تحت عنوان: «حديقة الغروب»، وكتبت عنها في ملحق الأربعاء في جريدة المدينة. قلت في ثنايا تلك الكتابة إن غازي بدا مثقلاً بعبء السنين وهموم الواجبات. كانت تلك القصيدة تخاتل فترة الستين بكل ما فيها:
خمسٌ وستُونَ.. في أجفان إعصارِصورة مرسلة
أما سئمتَ ارتحالاً أيّها الساري؟

وكما أن السنوات وإيقاعها ترافق القصيبي، تلمح أيضًا في الخلفية مشهد الموت الذي يتكرر من خلال أكثر من صورة. آخر مشاهد الموت، تقفز من خلال روايته الأخيرة «الزهايمر»، عندما تنتهي حياته، وتبقى رسائله التي يذيلها طبيبه في المستشفى برسالة إلى زوجته يبلغه فيها أن زوجها قد توفي إثر أزمة قلبية، ويضع بين يديها رزمة الرسائل التي طلب الزوج أن تتسلمها زوجته في أعقاب وفاته.
في ذات السياق كتب غازي القصيبي الكثير في الرثاء.. في هذا الأمر يظهر موقف الرجل من الموت. لم يكن القصيبي يهاب الموت، لكنه كان يتألم من الفقد، عندما يترجل أحد القريبين منه. ومن هنا شهدناه في مراثيه التي كان ينشرها في الصحف، تصوغه عبارات الفقد، فيتحول إلى إنسان مرهف الشعور، لا يجد حرجًا في إرسال دمعته.
لم يكن غازي القصيبي من أولئك الرجال الذين يجدون أن نزول الدمعة دليل ضعف. وهذا لعمرك قمة الصدق والتصالح مع النفس ومع الآخر.
والأمر ذاته بالنسبة إلى علاقته بالأنثى، حيث يتبدى في هذه العلاقة ذلك الوضوح، وتلك العاطفة التي لا يصوغها الكبرياء المغروس في صحراء الذات، وهو سلوك لصيق بمجتمعنا، فالمرأة زوجة وحبيبة، تبدو منفية بشكل أو بآخر في زاوية تملؤها العتمة. في إحدى ورقات «100 ورقة ورد» تسمعه يقول:

«تريدين أن تعرفي كم اشتقت إليك؟
سأحاول أن أصف يومي بدونك.
أصحو وأفتح الستائر، فتبدو الأشجار في الحديقة متعبة شاحبة تسألني: أينها؟».

ثم يختم ورقته السادسة، بعد أن يحلق بنا في كل عوالمه المحيطة به، الحمام، جريدة الصباح، المنزل، الوجوه، الكتب، المذياع، السرير، المخدة، الأحلام.. والتي تصوغ ذات السؤال: أينها؟ ليختمها ببوح راق وجميل:
«أيتها الغالية:
هل بدأت تعرفين كم أشتاق إليك؟»

لغة القصيبي الحميمية، لا يتقنها إلا القصيبي. لأنها تعكس جوهره الجواني. وتعكس ثقافته الثرية، التي تضعه في إطار إنساني شامل. ولهذا فأنت تتلاقى في قراءتك لميراث غازي القصيبي مع شخوص كثيرة من الماضي والحاضر.
وهو لا يجد الأمر يستحق النفاق أو السعي لعدم إظهار ما يمكن إبطانه. الأمر بالنسبة إليه موقف من الثقافة والحياة. ولهذا فأنت تجد المتنبي على سبيل المثال يظهر في تفاصيل كثيرة ومن خلال استشهادات متعددة حتى إنك ترى أبيات المتنبي تتصدر بعض رواياته. وفي المقابل تظهر الليدي ديانا التي يصوغ القصيبي صورتها بشكل مختلف ولافت، على أساس أن قصتها مع الأمير تشارلز ومن بعدها مع محمد الفايد أمثولة تستحق التأمل، خصوصًا مع النهاية المأساوية التي شهدتها القصة إثر حادثة النفق التي راح ضحيتها الليدي ديانا ومحمد الفايد.
كان غازي القصيبي الكاتب والمثقف والشاعر، يجعل من كل موضوع يخوض فيه، موضوعًا يستحق الاهتمام والمتابعة. ولك أن تمسك بين يديك أي رواية من رواياته أو دواوينه الشعرية أو كتاباته النثرية الأخرى، وحتمًا سوف تلمس تلك السهولة والليونة في الصياغة، وتلك الاحترافية في الكتابة.
والتشويق عند غازي القصيبي نهج ونسق تراه في «شقة الحرية» التي أثارت عند ظهورها جدلاً، مرورًا برواية «العصفورية» ورواية سبعة... وانتهاء بروايته الأخيرة «الزهايمر».
وهذا التشويق يكتنف أنماط الكتابة المختلفة. وهو لا يتخلى عن التشويق في كل حالاته إن كان من خلال كتابته للسيرة الذاتية، أو في دواوينه الشعرية.
ولا أظنني سأستغرب إن كشفت لنا الأيام المقبلة عن مذكرات كاملة لغازي القصيبي، يكمل من خلاله ما بدأه في حياة في الإدارة، خصوصًا أنه في الوزير المرافق وهو من إصداراته الأخيرة أيضًا، يعمد إلى نوع من المقاربة مع سلسلة من الشخوص التي التقاها الوزير القصيبي في عمله الحكومي خلال نحو 40 عامًا.





رابط الموضوع في مجلة أهلا وسهلا

http://pr.sv.net/aw/...usabi-Sept.html

...................

في الشرفة
هناك طيف يلوح
يناديني
أبي.. يا أبي
فأمد يدي
فـ... يغدو الطيف
سراب
والصوت...صدى

الكفاءات والسعودة


ينظر الأستاذ عيسى الحليان في مقالته في عكاظ الخميس الماضي بشكل إيجابي إلى قرار تعيين الخطوط السعودية للشحن المحدودة نائبا للرئيس للشؤون التجارية هو بيتر شولتن.
ويعتبر الحليان أن الانسياق وراء موضوع السعودة جعل بعض الأجهزة الحكومية تخسر كفاءات "كنا في أمس الحاجة إليها لتأصيل مفهوم البناء المؤسسي الذي كان ما يزال في طور التكوين".
أجزم أن هذا الطرح العاقل من الأستاذ الحليان، لا يتصادم أبدا مع أي رؤى وطموحات فيما يخص توطين الوظائف. فخطوط السعودة التي يتم بناؤها، تحتاج إلى أن تأخذ مساراتها في اتجاه أفقي. هناك كثير من الاستحقاقات التي يمكن من خلالها تحقيق السعودة، دونما إخلال بمسألة استيعاب واستقطاب الخبرات المتميزة. في هذا السياق ربما يكون نموذج جامعة كاوست من النماذج التي تؤسس لاستيراد الخبرة والمعرفة، وإعادة توطينها في المملكة.
إن وجود خبرات مميزة تسهم في إدارة بعض القطاعات ليس أمرا مستهجنا. المطلوب فقط ألا يقف البعض حجر عثرة في مسألة توطين المهن الأخرى التي يمكن أن تستوعب عددا كبيرا من طالبي الوظائف، وهم في الغالب ممن يحملون شهادات غير جامعية.
إن حيل مقاومة ومواجهة التوجه نحو توطين الوظائف لا تنتهي، ولهذا فنحن لا نزال نتحدث عن سعودة مكاتب السفر والسياحة، وسيارات الليموزين، والبقالات الصغيرة، ومحال الخضراوات. والوضع لا يعدو عن كونه تقدما لخطوة واحدة، ثم تراجع إلى المكان نفسه كما هو حال سعودة أسواق الخضراوات.