الاثنين، 13 مايو 2013

قالت لي : غرف الفنادق تكشف طبائع ساكنيها


كثيرون يدلفون إلى غرفتك في الفندق خلال سفرك، برضاك، لأن عدم دخولهم اليومي، يعني أن تتفاقم الفوضى من حولك.
هذا الدخول يرافقه تطفل إنساني على مزاجك البشري: عطرك مثلا، ألوان ملابسك، كيفية تعاملك مع الأشياء
في أحد الفنادق؛ أدرت حوارا متقطعا مع عاملة تنظيف. كان الحوار تلقائيا.  الحقيقة أنها هي من بادرت بالإشارة إلى أن غرفتي غالبا لا تحتاج إلى ترتيب كما هو حال غرف أخرى.
 أتذكر أنني شكرتها على هذا الثناء الذي أجزم أنه غير دقيق. لكنني وجدتها سانحة لأسأل، عن أشياء أتمنى أن أطرحها على من يعمل في مجالها.
قالت في تلك الأحاديث العابرة كثير من الكلمات اللافتة. بدت وكأنها لم تتلق مثل هذه الأسئلة من قبل.
قالت لي إنها سوف تتجاوز عن التفاصيل الشخصية والأسماء والجنسيات؛ وأنا بدوري أوضحت لها أن هذا الأمر لا يهمني كثيرا. بدأت في الحديث قائلة: إعتدت وزميلتي أن نتبادل أحيانا تسميات للغرف: هل قمت بترتيب غرفة السيد فوضى؟ تهز الأخرى رأسها؛ وربما تبلغها أن السيد فوضى قد غادر وأن الغرفة أصبحت تشغلها سيدة أنيقة. عادة لا يتم إطلاق تسمية عليها إلا بعد عملية التنظيف الأولى للغرفة.
ضحكت العاملة بعد أن قلت لها إنني أحاول سبر غور عالمهن. كانت لغة الحوار أبسط مم تظهر لكم هنا.  
شعرت أنني أغضبتها؛ إذ سألت: ماذا لو كانت العاملة غير أمينة؟ سألتني: ماذا تعني بغير أمينة؟ أضافت: هل تقصد أنها حرامية؟ أومأت برأسي. قالت: الأمر أصعب مما يبدو لك. لا أحد يغامر بمستقبله من أجل زجاجة عطر أو لبس جيد. ومع ذلك يحدث هذا أحيانا. أنا لم أفكر يوما في السرقة. شيء واحد استمتع وأنا أفعله. سألتها: ما هذا الشيء؟ قالت: التأمل في الملابس والإكسسوارات والأشياء الأخرى. تضيف: لدى بعض المسافرين صفات جميلة وبعضهم لا. يأتي أحدهم بحقيبة صغيرة ومع ذلك يجلس لمدة أسبوع لأنه جلب معه أشياء تغنيه عن إرهاق إعداد وحمل حقيبة ثقيلة.
أضافت: هناك آخرين؛ يجلبون معهم حقائب ثقيلة، يجلسون بضعة أيام ثم يغادرون
تحدثت عن طبائع الناس: الشخص النظيف الذي لا يترك خلفه أشياء مقززة. الإنسان الكريم الذي يضع مبلغا من المال مع ورقة تشير إلى أن هذا هدية منه لمن تفضل بتنظيف غرفته. المتذمر والمتطلب الذي لا يرضيه شيء. المتعجل الذي لا يدري أين وضع أغراضه ويثير المشاكل ثم يجدها في حقيبته أو تحت سريره
أطلقت تنهيدة ثم قالت: أعمل هنا منذ ٢٠ عام، كل يوم أرى وجوها جديدة، وبعض الوجوه تعود إلينا كل عام، وأحيانا نراها كل شهر، وبعضها نشعر أنها لا تكاد تغادر المكان حتى تعود إليه. أضافت: أصبحت أتقن قراءة الوجوه؛ حتى أنني أصبحت أستطيع أن أخمِّن جنسية الساكن من خلال غرفته وملابسه وتصرفاته
وضعت مثلا قراءتها لغرفتي؛ من خلال الكتب الثلاثة الموجودة بجوار سريري؛ ومجموعة الصحف التي طلبت من الفندق أن يوفرها لي يوميا
قالت كلاما كثيرا عن هذا الأمر، وعن ما تراه في غرف أخرى. كلام حذفته، لأنني لا أراه يضيف شيئا مهما
أوضحت في نهاية حديثنا أن عملها هذا جعلها تعيل أسرتها؛ أضافت أن ابنتها ستتزوج بعد أسبوع، وسوف تسعد بحضوري.  إعتذرت منها كوني سأغادر قبل الموعد، لكن هاجسا بقي ملاصقا لي: هل نتقن فعلا مراعاة مثل هؤلاء ونحاول - مثلا - أن نخفف عنهم شيئا من العناء؟
من جهتي إكتشفت أنني قبل خروجي من غرفتي أحاول إعادة ترتيب الأشياء قدر استطاعتي. قد يبدو الأمر تافها؛ لكنه يستحق التجربة

* هذه التدوينة، طلبتها مني إحدى مجلات السفر والسياحة، لكنهم ارتأوا أنها غير مناسبة لهم، هذا الأمر أفرحني، فقد وجدت فرصة لإضافة تدوينة جديدة. 


السبت، 27 أبريل 2013

الجلوس على الكرسي


الطموح حق إنساني. كرسي المدير، وكرسي الوزير، وما فوقه مطمح لناس كثر في كل الدنيا.
 الذين جربوا الجلوس على الكرسي، تنازلوا عن كثير من أفكارهم ورؤاهم.
 الحق أن سعد الله ونوس في مسرحية "الملك هو الملك" أكد بما لا يدع مجالا للشك أن الكرسي يدور، بصرف النظر عن من يعتليه، سواء كان هذا هو الشخص الحقيقي، أو المهرج الذي جاء عبر لعبة عابرة، لتتحول القصة إلى واقع.
قصة المهرج في مسرحية ونوس تقول باختصار إن الحاكم شعر بالسأم فقرر أن يتبادل الأدوار مع المهرج، بحيث يصبح المهرج حاكما وهو يتقمص دور المهرج. واقع الحال أن الناس تعاملوا مع المهرج المتنكر بدور الحاكم باعتباره حاكما. ولم تفلح محاولات الزعيم في إقناعهم أن الأمر مجرد لعبة، وأن الحقيقة أنه هو الحاكم.
في الحياة من حولنا، الصورة لها شواهد عدة، فطباخ الرئيس يمارس دور الرئيس على من حوله، ومكفول الوزير يمارس دور الوزير على من حوله.
قال لي أحد الأصدقاء : امتلأ المكتب عندنا بمكفولي الوزير ومحاسيبه، الذين أصبحوا مثل الفطر الذي يتمدد في كل مكان، ولا يمكن للمدير أن يرفض طلب توظيفهم لأنه يريد أن يعيش.
 والطريف أن رواتب بعضهم تتجاوز رواتب موظفين كبار.
 الكل يمارس صمتا ونفاقا تجاه هذه المسرحية التي يتمدد ميدانها ليشمل أكثر من جهة عامة وخاصة.
لا أحد يجروء على الكلام.
ومن يكسر حاجز الصمت، ولو بالإشارة، يكون جزاؤه الرادع الجلوس في الحديقة الخلفية وممارسة الفرجة.
بين المسرحية والواقع ـ قال صديقي ـ يحدث أن تتم حلحلة أمورك في قضايا عالقة من خلال تواصل سائقك الفلبيني مع سائق صاحب المعالي الفلبيني أيضا.
لا أكتمكم أن الجلوس مع صديقي، صار يصيبني بالإحباط مؤخرا !!

الخميس، 20 ديسمبر 2012

تناقضاتنا اليومية



نحن أسرى تناقضاتنا. لا أستثني أحدا. نحن نقول كثيرا، ولكننا قد نأتي بأفعال مناقضة. نحن جميلون في خطاباتنا ضد كل شيء سلبي: العنصرية، المحسوبية، الظلم، حقوق الناس، حرية التعبير، احترام الرأي المخالف، الطائفية، التنطع والغلو، الوقوف ضد العنف الأسري، الدعوة إلى الانضباط المروري... إلخ.
هناك قائمة طويلة من الخطابات المثالية، التي يرددها المسؤول، ويقولها الإنسان العادي. خطابات نستدعي من خلالها كل بلاغتنا الخطابية والكتابية. تويتر - باعتباره من علامات ساعة الحقيقة - أحد أبرز المعاقل التي يمكنك من خلالها أن تقتنص التناقضات، إذ بين كل تغريدة وأخرى، تجد هذا التناقض، ففي الوقت الذي تطول فيه غضباتنا أفعالا سلبية - كالعنصرية مثلا - لكن نفحة من الحماس الزائد، تجعل التغريدة التالية تنضح عنصرية. وفي السياق ذاته، فإن التعاطي مع الحوار باعتباره مظهرا متحضرا، ينكسر فجأة مع أول خلاف في الرؤى، ليغدو الأمر شخصيا، ويتم - فيما بعد - نسف كل الأشياء المثالية.
بالمناسبة أغرب تصريح قرأته الأسبوع الماضي كان للدكتور عبد الله العبيد، نقله عنه جمال خاشقجي في تغريدة له عبر ''تويتر'' قال فيها: ''إن مركز الحوار الوطني درَّب نحو مليون سعودي على آداب الحوار''. ومنذ قرأت هذا الكلام وأنا أتساءل: متى؟ وأين؟ وكيف؟
أظن أننا قد نجد قريبا سؤالا تعجيزيا يتم طرحه على المتقدمين للتوظيف لذكر أسماء المليون سعودي الذين تم تدريبهم على الحوار عبر مركز الحوار الوطني.

الاثنين، 8 أكتوبر 2012

القصيمي والمنيف ... الحكاية والفكرة والنتيجة

عبد الرحمن منيف
عبد الله القصيمي

قفز نادي القصيم الأدبي إلى الواجهة، إثر تراجعه عن تقديم ورقتين نقديتين حول كل من عبد الرحمن منيف وعبد الله القصيمي. ما حدث في أعقاب التراجع، أكبر مما لو مضى النادي في هذه الخطوة. وكان يمكن للنقاش والجدل بشأن هاتين الشخصيتين سواء مع أو ضد أن يتم تحت قبة النادي بدلا من أن تتحول إلى قصة مثيرة يتم التداول في شأنها من خلال الصالونات الأدبية والحوارات بين المثقفين في مواقع التواصل الإجتماعي والتدوينات.
إن الإيقاع الثقافي الحالي أصبح مختلفا، ولم يعد بالإمكان التعاطي مع مسألة الخلاف والإختلاف من خلال التوقف عن مناقشة هذه القضية أو تلك، بل إن إيجاد المناخ المناسب للحوار الثقافي والفكري جدواه أكبر.
لقد تابعنا في الأيام الماضية آراء تؤيد موقف نادي القصيم وأخرى تعترض عليه. كان المشهد بشقيه المؤيد والمعارض يعكس الصورة المنشودة لحوار أراد له البعض أن لا يتم تحت قبة نادي القصيم. تحقق هذا الأمر. لكن الحوار لم يتوقف. الشيء الوحيد الذي غاب ضبط إيقاع الحوار، حتى لا يتم الخوض في قضايا وتفاصيل لا علاقة لها بالمسألة الأصلية وهي أساسا قضية أدبية وثقافية وفكرية، وأي تمددات أخرى، هي إفراز للحدية اللافتة التي أوجدها السور الذي وضعه النادي. لم يكن أحد ليعتب على أحد لو لم يبادر النادي بالإعلان عن خطوته بشأن الورقتين، لكن تراجعه كان مفصلا فتح حوارا لن ينتهي، وسوف يتكرر. الطريف أن المنيف والقصيمي تم الحديث عنهما عبر أكثر من ناد أدبي ويجري تناولهما من خلال المنابر الصحفية كثيرا. الذي حققه المنع، أنه حفز من لم يعرفهما من الجيل الجديدعلى التعرف عليهما.


الخميس، 20 سبتمبر 2012

أتعلمين يا حبيبتي أن السفر له ألوان؟



الذي يحدث يا حبيبتي أنني قررت أن أسرد لك تفاصيلي، حكاياتي، ... أشعر أنك هذه المرة ستتعرفين عليها من جديد، وكأنك تعرفينها لأول مرة.
 أتعلمين؟ هذه صيغة سؤال مكرورة، لكنها أصبحت ساحرة، بمجرد أن أدخلها بدر شاكر السياب ضمن مفردات قصيدة "أنشودة المطر". لكن هذا ليس موضوعنا، كنت فقط أريد أن اسألك: أتعلمين أن الأوقات التي صارت بعيدة الآن، لم نعد نملكها. هي الماضي. ذلك الشيء الذي لم نكن نتصالح مع جزء منه، ولم نكن نحب جزء آخر، وكنا بالكاد نطيق جزء آخر... هذا الشيء الرمادي، أصبحنا الآن ننظر له بحنين. عذاباتنا الصغيرة، القديمة، أصبح إيقاعها عذبا في هذه الساعة.
 وكنت دوما أسأل نفسي، وأنا أرتحل زمنا ومكانا، عن الفرص السانحة التي كانت تغوينا ولكننا نزهد بها. كنا حينها أكثر صبوة وشبابا. الآن تتراخى الأشياء. رؤية واسعة، لكنها هادئة. ردة الفعل بطيئة. ما لن يأتي الآن لم يعد مهما أن يأتي غدا، أو لا يأتي. الأغنيات العذبة تنأى بنا صوب العادي وغير العادي.
من جوف الغيم، يتقاطر صوت محمد عبده، يردد نغمته البيضاء: "إشرب قبل لا يحوس الطين صافيها". هذه صاغها خالد الفيصل في لحظة تكثفت فيها حقيقة الأشياء الجميلة.
 لقد انكسر صلف الصبا، وأصبحنا أنت وأنا في منتصف الطريق، نحتفي باعتياد الأشياء.
أصحو صباحا. أمارس نفس العادات بالترتيب: أضع قدمي على الأرض. أتطلع عبر النافذة. نفس الإطار، حيث تقف الشجرة في مكانها. لا شيء يتغير، سوى الطقس والمزاج. طقس الكلام. طقس الكتابة. طقس الحلم.
 وحده الحزن الشفاف، يتراءى، مع الزيارات النادرة للمطر. حينها تهطل أنشودة المطر من فمي، وتهفو نفسي للسفر.
وكأنني أستحضر أرواح الغرباء، الذين دفعتهم الحاجة للركض بعيدا. كانو شجعانا إذ خرجو من شرنقة الواقع.
تركو أجزاء كثيرة منهم في كل مكان مرو به. كل جزء يتركونه، هو محور حكاية أخرى، قد أحكيها لك يوما.
إن السفر الملون، هو الذي يجعل الأفكار تهطل: تبدو ذات طيف خاص، مرة يطغى فيها البياض، ومرة أخرى تمتزج فيه كل الألوان، حتى تكاد تستنشق رائحة ثمار البرتقال وسط الألوان. وفي بعض المرات يطغى لون الغربة، يتحول الارتحال إلى جسر حياة لآخرين ينتظرون خلف الضفاف.  في كل هذه الأشياء، يتمدد دوما صوت ابن زريق البغدادي:
لا تعذليه فإن العذل يولعه    قد قلت حقا لو كان يسمعه
في ثنايا قصيدة إبن زريق، هناك لون آخر من ألوان السفر. فيه أيضا حكاية زوج وزوجة افترقا لأسباب معيشية على أمل لقاء. كان على الزوجة حينها أن تبحث عن بعض السلوى بالقصيدة الوصية. بدا وكأن الشاعر يعتذر منها. لم يحتمل جسمه أوجاع الغربة، وأنهكه المرض، فكانت رسالته الأخيرة. تلك القصيدة، عبرت قرون عدة، كانت ولا تزال تلهم كل من يريد أن يعيد صياغة جزء من سيرة السفر والغربة وألوانهما. الجميل في القصيدة، أنها تتضوع بالحب حتى آخر لحظة.

* تم نشرها ـ مع بعض التصرف ـ في : سبتمبر من مجلة "أهلا وسهلا" 

السبت، 14 يوليو 2012

المقهى الأخير


هذه التدوينة نشرتها مسبقا في عدد يونيو 2012 في مجلة: أهلا وسهلا



ـ صباح التعب أو العتب.
قالها بصوت خافت.
تابع وهو يتأمل في الأفق: مجرد سلام، ... حتى لا تجف أوراق الذكريات المنسية.
في مكان بعيد. كان هناك من يصغي بصمت. يجعل الكلام يتكثف، مثل رغوة الكابتشيونو في ذات المقهى الذي تعود أن يجلس فيه يوميا.
وفي مكان قريب، كان هناك من يصغي أيضا. بعد أن لفته المشهد اليومي.
دوما هناك مقهى، وهناك إنسان يجلس على مقعده وحيدا، يسرح في الأفق، يبدو كأنه يتأمل وجوه الناس، وهو خارج إطار المكان والزمان.
كان يتوكأ على حزمة من الذكريات، ويتخذ مقعده كل صباح، في مقهى عتيق في شارع التحلية في الرياض.
لم يكن أحد في المقهى يسأله ماذا يريد؟ كانت طلباته تأتيه فورا. هي تتغير بتغير الأوقات فقط. الصباح قهوة تركية مرة. يرشفها وهو يستحضر حزن السنوات. يقرأ الصحيفة الخضراء. يتأمل السيارات القليلة التي تعبر من الشارع في هذا الوقت من الصباح.
يفتح هذه اللحظة رواية كائن لا تحتمل خفته، يستعيد من خلالها صورا أخرى، لأمكنة لا تزال تستوطن ذاكرته. يعرف أن هذا المزج بين الـ "هنا" والـ "هناك" أحيانا لا معنى له. لكنه اعتاد على إعادة تشكيل الأماكن كما يحب.
يمزج تحلية الرياض، بشانزلزيه باريس. يغمض عينيه قليلا تأخذه الدهشة صوب عين ذياب في كازابلانكا وسوليدير في بيروت وحتى تيرانا في ألبانيا.
كان دوما يردد: السفر فاكهة الحياة.
لكنه فجأة قرر أن يتوقف عن هذا الركض!
بعد كل رحلة، كان يعود إلى ذات المقهى. هناك كان يشهد أعدادا من أولئك يشبهونه في كل شيء. يختارون طاولة على الرصيف. عادة هم لا يغيرون أماكنهم. كل طاولة تحمل بشكل غير مرئي إسم شاغلها الصباحي. أحيانا يمر وقت طويل، حتى يستوعب أن هذه الطاولة أو تلك أصبحت شاغرة، حتى يأتي شخص جديد ويشغلها بشكل يومي.
كان الغياب يملؤه حزنا. الذين يأتون هنا، يحاولون أن يتمردوا على حالة التقاعد التي فاجأتهم. عادة يلبسون أجمل ملابسهم، يخرجون من المنزل في الوقت المعتاد، يعيشون حالة ضياع سرمدية لبضعة أيام، ثم يكتشفون هذا المكان، فتتسلل لهم الطمأنينة.
كان الخوف من الموت هو العامل المشترك بينهم. كلهم له قصته الخاصة. البعض تبدو همومه مغروسة على تضاريس وجهه. تحكي عنه دون أن يحكي.
 البعض الآخر يبدو أقرب للبئر العميق. تضاريس وجهه لغتها صعبة. لا يمكنك أن تخمن، هل هو سعيد أم حزين؟ هذا الوجه يخفي خلف ملامحه حكايات صعبة.
هو يتأمل، في لحظات، كل هذه التفاصيل، ويواصل الحديث:
ـ ما زلت في الرياض، ولكنني أتمنى أن أجد طريقة للسفر إليك.
في الجوار، كان هناك متطفل يرسم على وجهه ابتسامة. كان يرصد هذه التفاصيل منذ أيام. قرر أن يتابعها باعتبارها مشهد حياة. بينما كان الآخر يواصل سرد تفاصيله اليومية، نومه وصحوه، طعامه، إحساسه بالوحشة بعد أن صار وحيدا، أشواقه التي لا تنضب، ووعوده المؤجلة بالسفر على أقرب رحلة.

الاثنين، 4 يونيو 2012

المفكر العربي ... كرتون بطاطس







المفكر العربي في منظور فضائياتنا مجرد: كرتون بطاطس

الفكرة تبدو حقيقية.

هناك من يتعامل مع التفكير باعتباره: سلعة.

هناك من يظن أن المفكر: كرتون بطاطس.

على ضوء ذلك: هو عندما يتعامل معه، يعتبر أنه يشتريه بما فيه. وبالتالي لا فرق بينه وبين: كرتون البطاطس.

هذا الأمر، أفضى إلى التعامل مع أي نسق، خارج سياق ما يريده المشتري، تجعل السلعة من نظره تبدو فاسدة، وغير قابلة للإستهلاك.

هذه الفكرة مرعبة جدا، لكنها ـ عربيا ـ موجودة !

أشاهد في الفضائيات العربي، رجالا كبارا، أحببناهم من خلال كتاباتهم. لكنهم يبدون في الشاشة وكأنهم مهرجون أو كراتين بطاطس.

المذيعة التي كانت ذات يوم صارخة الجمال، تتخاطب مع هذا المفكر بمنطق الست التي تعرف أنها جميلة، وأن هذا الجمال كان جواز عبورها. وهي تعتبر أنها صاحبة فضل إذ أنها جمعت هذه الثلة من كراتين البطاطس كي تثرثر مع المشاهدين من خلالهم.

الأمر نفسه ينطبق على المذيع، الذي يتباهى بفذلكاته، ويعتقد أنه مصدر الحقيقة ومنبعها. وأن على كرتون البطاطس الماثل أمامه أن يستجيب للأسئلة الإيحائية التي يطرحها، وأن يكون بحجم الأمل فيه وأن يجيب على قدر ما يريد المذيع وما تريده القناة الفضائية.

فضائيات البطاطس، أفرزت مفكري بطاطس، وخبراء بطاطس، وخبيرات بطاطس.

الظاهرة تطورت، مع سيادة (التوك شو) الذي لا يتوقف، بل إنه أصبح ظاهرة سرطانية تتمدد من التعليق على الأخبار خلال النشرة، إلى التعليق ما بعد الأخبار.

في المقابل صار عندنا: متظاهروا بطاطس أيضا.

من قال إن البطاطس ليس حالة فكرية، عليه أن يتأمل خطابنا الفضائي. وكما قال مظفر النواب ذات حين بعد أن شتم الزعماء العرب في مجلس حافظ الأسد: والله لا أستثني أحدا. وكان وقتها مطلوب منها أن يقول: إلا حافظ الأسد. لكنه لم يقلها.

وقتها، تم التعامل معه باعتباره بطاطس فاسد!

وبعض المفكرين، قرر من ذاته أن يصبح بطاطس، وبالتالي تراه يظهر بشكل يومي، كامل الدسم، يتجشأ من الشبع والتخمة، ويلقي على أسماعنا كلاما وفقا لما يطلبه الممولون، الذين يستمرون في تسمينه، وفي فتح مركز خاص به للدراسات، أو يمنحونه ـ وذلك أضعف الإيمان ـ رتبة خبير أو مستشار أو كاتب في مطبوعة تجعل المال الذي يتجه إلى حسابه قابل للتبرير فهو يكتب في مطبوعة خليجية، تدفع له 100 دولار مقابل كل كلمة يتشدق بها.

الثلاثاء، 8 مايو 2012

مدونة خالد السهيل: حقيبة...وطائرة... وبقايا صور

مدونة خالد السهيل: حقيبة...وطائرة... وبقايا صور: تم نشر المقالة في مجلة أهلا وسهلا عدد مايو 2012 دوما، تحملك الطائرة بعيدا. بينما أنت تحمل في رأسك، كونا أكبر: أسرتك، مكتبك، ... ذكريا...

حقيبة...وطائرة... وبقايا صور

تم نشر المقالة في مجلة أهلا وسهلا عدد مايو 2012

دوما، تحملك الطائرة بعيدا. بينما أنت تحمل في رأسك، كونا أكبر: أسرتك، مكتبك، ... ذكرياتك، تفاصيلك، أحاسيسك. كل هذه الأشياء تأتي معك. لا تحتاج أن تضعها في حقيبة ملابسك. هي تتوارى في العمق.

مع اللحظة الأولى التي تدلف فيها إلى صالة السفر: تتداعى الصور، حاملة في ثناياها المشهد الداخلي، الذي يلتصق بك. تبتسم، تتطلع إلى الأمام. تترقب أسراب الطائرات التي تأتي وتمضي. في جوف كل طائرة حكايات متحركة. سحنات متعددة. مشاعر متناقضة. فرحة وصول، غصة مغادرة، بهجة ذهاب، ولوعة إياب.

جوهر السفر، في ذاكرة الأوائل، يقوم على الإحتياج والسعي طلبا للرزق، السياحة للسياحة كانت فعلا نادرا.

لكننا اليوم، لا نكاد نقتنص إجازة قصيرة أو طويلة، حتى نتدافع متجهين صوب الداخل والخارج، في سعي لكسر قاعدة المعتاد اليومي.

يضع الناس حقائبهم، ويضعون في ثناياها أحلامهم بأيام سعيدة. أكتب هذه الأسطر من المطار، بعد أن أنهيت إجراءت السفر المعتادة. جلست أتأمل في وجوه الناس. المطارات والطائرات تلهمنا أشياء كثيرة. كثيرون استوقفتهم صورة المشهد. الحقيقة أن فعل السفر بأكمله، كان أمرا يحفز على الإبداع، والتأمل، والبوح الصادق. في لحظة ما، غربة ما، نقطة ما، يبدأ الإشراق وتتدفق الكلمات. أحيانا تأتي في وقت مبكر، وأحيانا تأتي متأخرة تماما، كما هو فعل ابن زريق البغدادي الذي خرج طلبا للمجد والرزق، فودع زوجه ومضى، ولكن السفر طال حتى حانت المنية، فتلفت من حوله، واستجلب من بغداد صور زوجته وراح يخاطبها:

لا تعذليه فإن العذل يولعه *** قد قلت حقا لو كان يسمعه 

هي قصة يومية مكرورة. تتواكب معها قصص أخرى. تجد أنها ترتحل من زمن إلى زمن، تتوالد، تسلمك الأولى للثانية، فتصبح مثلا سائرا. ألم يقولو إن السفر يجعلك تعيد اكتشاف الأصدقاء. رغم يسر السفر، ما زالت تلك اللحظة التي أفرزت هذه التجربة تتكرر دوما. أنت تعيد اكتشاف أصدقاءك خلال السفر. بل أجزم أنك تعيد اكتشاف ذاتك في السفر.

في المطار وفي الطائرة، ... حكايات وقلوب تتعلق بالسفر، تراه طوق نجاة، أو جسرا لهروب مؤقت أو دائم. وعلى المقعد المجاور لك، أنت ستكتشف كونا إنسانا آخر، له أحلام ورؤى وأفكار تختلف عنك. وعندما يحالفك الحظ وتتجاذب أطراف الحديث مع شخص دمث من مجاوريك، ستكتشف كم أن الحياة رغم اتساعها، إلا أنها تغدو أصغر، من خلال القيم الإنسانية المشتركة.

حذاري: لا تنسوا قلوبكم، وأنتم تغادرون الطائرة. إذ نادرا ما يتكرر اللقاء بذات المسافر الغريب أكثر من مرة.

طيب الله أوقاتكم.