الثلاثاء، 26 يوليو 2011

الحروب المجانية : هل يتجه العالم إلى شفير الهاوية؟

الحلم بعالم يتساكن بسلام، يبدو أنه مثالي، وبعيد المنال. لكنه يبقى حلما مشروعا. إن طغيان كفة الحقد والحسد والبغضاء، في مقابل المحبة والسلام والوئام، مسألة تستفز أصحاب النفوس السوية. إن النظر إلى واقع الناس أفرادا وجماعات ودول، يتطلب سعيا من أجل إعادة ممارسة فن الممكن، بهدف إشاعة المفاهيم والأفكار السامية.
ليس المطلوب منا كبشر، أن نؤسس ليوتيبيا خيالية. 
المطلوب فقط أن نعلي من القيم الإنسانية الطيبة.
المطلوب أن نرفع من قدر الفعل الإنساني.
المطلوب أن نكون ـ على الأقل ـ أقل عنصرية وصلفا مع الإنسان الآخر.
المطلوب أن نجعل الدين، عامل جمع لا فرقة، بين أطياف الدين الواحد، وفئات الأديان الأخرى.
هذه المطالب المحدودة، تواجهها أحيانا أفكار شريرة، وشديدة الشراسة، تجعل هذه المطالب ـ ذات الصبغة السامية ـ تبدو وكأنها غريبة، أو بعيدة عن التطبيق. 
إن التطرف الذي شهدناه في مذبحة النرويج، كان مصدره الغلو المفرط في التدين، من مسيحي متطرف. هذا الفعل له روافد لدى أديان أخرى، فالتطرف الهندوسي له صولات، والتطرف الإسلامي له جولات. إذن لا بد من لجم "بغل" التطرف، الذي يزيد من الأحقاد بين الطيف الإنساني في مختلف أصقاع الأرض. هذه الخطوة من شأنها أن تؤسس لمجتمعات، تمارس كل فئة دينها، دون أن تتدخل في الأديان الأخرى. 
إن السياسة التي تصوغ خطوات البشر وفقا لأجندات قد لا تكون سوية، تهدد عالمنا بمزيد من الإنهيارات، التي تظهر من خلال اختلالات اقتصادية واجتماعية وتربوية، لكن بعض المجتمعات في مساعيها من أجل الخروج من مأزقها، تشيع الفوضى في العالم، من أجل معالجة مشكلاتها الطارئة.
ينسى العالم تلك المشكلات، لينشغل في ترميم التداعيات المتلاحقة، سواء كانت هذه التداعيات على هيئة حركات تطرف وعنف، أو في أشكال أخرى قد يصعب تفسيرها في معزل عن إيقاعات الإقتصاد والهموم العالمية الأخرى. 

الخميس، 26 مايو 2011

زلة قلم جهاد الخازن


مقالة جهاد الخازن المنشورة في 23/5/2011



جهاد الخازن صحفي محترف وكاتب معروف، أتفق مع بعض طروحاته، وهو عنده قدرة على أن يمسك العصا من المنتصف بحيث لا يغضب هذا ولا ذاك. لكنه في مقالة نشرها في 23/5/2011 بدا مختلفا، وأثار غضب كثرين، ولم يجد حتى محبيه مبررا له، إذ يقول: (نحن في السنة الهجرية 1432، وهذا تاريخ لا يضم سوى سنتين يستطيع المسلم أن يفاخر بهما هما خلافة أبي بكر الصديق).
هذا الطرح فيه جور كبير على تاريخنا سواء خلال فترة الخلافة الراشدة أو ما تلاها من فترات شهدت انتصارات وانكسارات لكنها لا تعني أبدا إطلاق الكلام بهذا التعميم الذي يختزل التاريخ الإسلامي في حقبة أبو بكر الصديق رضي الله عنه. ناهيك عن التطاول على من تلا أبو بكر من الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، وهي منطقة يبدو التجاوز فيها مدعاة للخطأ والخلل والتفسير والتأويل الذي يضع قارئ الصورة في منطقة اللا حياد.
وقد تعفف كثير من المؤرخين الأوائل عن الدخول في هذه الورطة، لأنه لا يوجد لها إيجابية واحدة، بينما هي تنطوي على سلبيات عدة ليس أولها الإرتهان إلى القراءات المتجنية ولا الإبتسار المخل، حتى لو كان الحديث في معرض التأكيد على تهافت فكرة الغلاة الذين يطالبون بإعادة ما يسمى بالخلافة الإسلامية. إذ من السهل على العقلاء أن يدركوا أن الخلافة شهدت على مر السنين مراحل مد وجزر، حتى انتهت بسقوط ما كان يعرف بالرجل المريض المتمثل في الدولة العثمانية التي كانت تحكم جزأ واسعا من العالم الإسلامي من خلال الأستانة. وبعدها وجدت كل دولة الصيغة التي تتناسب مع ظروفها، وهو سلوك كان معمول فالأندلسيون كانو يديرون أنفسهم بعيدا عن نفوذ الخلافة الإسلامية وكذلك الأمر بالنسبة لسواهم من الدول والممالك.
كل هذه الأفكار البدهية، لا تتطلب حتما أن يتبرع جهاد الخازن بإلغاء التاريخ الإسلامي ويقصره على الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فهذا التنطع لا يشبهه إلا تنطع غلاة الإرهابيين الذين يريدون إعادة إحياء فكرة الخلافة الإسلامية.
 لقد كانت السياسة الشرعية الإسلامية وما تزال تتمتع بالمرونة التي تجعلها قادرة على استيعاب فكرة الدولة المدنية والاستفادة منها، وهذا الأمر لا يتطلب أن يبادر جهاد الخازن لإلغاء كل شخوص التاريخ كي يقول لنا إن زمن الخلافة انتهى، فالكل يعرف هذه المعلومة البدهية، ولا يحتاج لمن يصدمه في تاريخه من خلال إيراد وقائع لا تتعدى أن تكون زلة قلم.    

الثلاثاء، 17 مايو 2011

بين "التوزير" و"التزوير" حرف تاه طريقه ... ورجل دخل جنته فقال: أنا أعز منكم





هو عنوان طويل، وهو أيضا فصل من سيرة تتكرر منذ آلاف السنين، فلا تحاول أن تفتش فيه عن جديد.

إنها سيرة الناس في غالب أوضاعهم.

أراد أن يكتب "توزير" فكتبها "تزوير".

في كل مرة حاول أن يعيد كتابتها، تأتي بنفس الصيغة الخاطئة. كانت صور الناس تتلاحق في ذهنه، وكانت تصريحات الوزير، تعكس "تزويرا" للوعي، يقول: حاسبوني بعد أربع سنوات.

مرت السنوات الأربع.

انتقل إلى منصب آخر، وقال: حاسبوني بعد أربع سنوات.

"تزوير" من أجل الـ "توزير".

وفي كل مناسبة تكتشف فيها أن "التزوير" هو المحرك لكل الأشياء.

في واجهة أخرى، بعيدة عن "التوزير" ولكنها ذات علاقة بـ "التزوير"، قال الشخص خطبة عصماء، أكد من خلالها أنه يؤمن بـ "التدوير". وأنه لا يقتنع بأن يبقى شخص في مكانه أكثر من خمسة أعوام.

لكن حتى الكلام عن هذا "التدوير" كان مجرد "تزوير".

كثيرون يمتشقون أقلامهم، أو يرتجلون خطبا عصماء من على المنابر، ويمارسون كلاما جميلا، لكن هذا الكلام، ليس سوى طبقة شفافة تسهم في زيادة عتمة الجوانب البشعة من الداخل البشع لهذا الإنسان أو ذاك.

في زمن ما، يقع المسؤول في فخ ورم الذات، فيبدأ العمل التحتي، الذي يمارس من خلاله الضغط، من أجل "تعويم" الحقائق، عبر الشرهات غير المنظورة، فيحشد من خلفه مجموعة من المستشارين، الذين لا تتم استشارتهم بشيء، بل يتم توجيههم بأن يقولوا للناس إن هذا الشخص أصبح ملهما وصار ضرورة، وعنده ينتهي العلم والمجد، ومن غيره سوف تغمر الحياة الظلمة والغبار.

تزوير وتدوير وتعويم... سرعان ما يتلاشى بمجرد مغادرة الشخص للمنصب.

إنها قصة تتكرر في كل مكان وزمان.

لا تبتعد كثيرا، أنظر حولك، سترى أحدهم قريب منك، تأمل وجهه وواقعه وأنت تقرأ هذه العبارات.

ليس شرطا أن يكون وزيرا أو مسؤلا كبيرا. الكل يمارس تزويرا على طريقته الخاصة، أحيانا يعطي هذا التزوير بيضة ذهبية، وفي كثير من الأحيان لا يمنح إلا خزيا ونكدا وسوء طوية.

وحتى تتكامل الصورة بثرائها، لا بد أن تلتفت يمنة ويسرة، لتجد مهرجا يمارس تبديل الأقنعة، لأنه قرر أن يكون : رجل كل العصور.

هذا الرجل، أنت تراه من الخارج كبيرا، لكنه، عندما تتأمل قليلا: ستجده مجرد قزم صغير، يتم ركل مؤخرته في كل ساعة، وهو بعد أن يفيق، ينسى تلك الركلة، ويعاود الإلحاح والقول: أنا أعز منكم.

لكن الصدى في داخله يرد عليه: كاذب.

وتأتي ردود أفعاله على نفسه قاتلة، فيركض هاربا من ذاته إلى ذاته.

ومع ذلك، تبقى الصورة جميلة مؤقتا، ... فنحن في الزمن الذي وصلت فيه عمليات التجميل إلى كل عضو في الجسد الإنساني، وأصبح التزوير يطال المشاعر، فتشهد الوجوه مبتسمة، رغم لا تبتسم. وترى القلوب مبتهجة، رغم أنها تضمر الغل والغدر.

حتى الصلاة، التي تنهى عن فاحش القول ومنكر الفعل، لا تردع الناس عن مثل هذا التزوير.

الغريب أن يسأل إنسان، عندما تنفجر الأوضاع: لماذا حصل ما حصل؟

هذا السؤال الذي تكرر منذ مطلع 2011 مرات عديدة، وبصوت مرتفع. ليس جديدا.

الحقيقة أنه أحد الأسئلة السرمدية، التي تأتي لتمثل عبارة مكرورة، قبل أن يتم إسدال الستارة على المسرحية البشرية المكرورة. في الصورة، سوف ترى زنديقا وعابدا تتزين جبهته بزبيبة مسجد وصلاة. في ذات المشهد سوف تجد أنهما رغم اختلافهما، إلا أنهما يتفقان في شيء واحد: الكراهية والجبروت.

عندما يغيبان، لا تشعر بطمأنينة كبيرة، هما غادرا، وسوف يعودان بقناعين آخرين وباسمين مختلفين.

إنها الحياة يا صديق. فلا تسرف على نفسك، وابتسم.

الأربعاء، 11 مايو 2011

شويخ من أرض مكناس يجدد حلم تلاقي الأطراف




من عمان إلى الرباط، عاد حلم تلاقي الأطراف بين الخليج والمحيط، ليعكس حلم العناق. لكن الأمر يبدو محض حلم، لم يحظ شعبيا سوى بالتندر. الواقع أن العرب بعد تجارب الوحدات الإندماجية التي خاضها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر مع سوريا، والتجارب المتعددة التي خاضها الرئيس الليبي معمر القذافي مع أكثر من بلد، صاروا ينظرون للمسألة بنوع من التوجس. لكن الجديد أن المبادرة هذه المرة خليجية، وهي تأتي على خطى مسيرة تلاقي لم تتكامل مع العراق واليمن. ومنذ الإعلان عن التوجه خلال القمة التشاورية، وأنا أرصد الصدى الشعبي، من خلال تويتر. لكنني أنى يممت وجهي، سواء تجاه المتوترين الخليجيين أو الأردنيين أو المغاربة، أجد كما كبيرا من النكت التي تؤكد أن الدم العربي صار خفيفا ورشيقا. الكل يتفق على أن الحلم جميل، لكن هذا التلاقي يبدو بالنسبة للبعض مثار أسئلة لا تزال تبحث عن إجابة: هل هذه الخطوة هي مسيرة باتجاه إنشاء كيان بديل للجامعة العربية الهرمة؟ أم أنه تجمع يضم أنظمة متشابهة في الرؤى والتوجهات؟ أم أن الأمر هو تطوير بشكل أو بآخر لاتحاد اقتصادي يفتح الآفاق أمام حلم السوق العربية المشتركة الذي تم وضع بذرتها في الأرض منذ عشرات السنين لكنها أثمرت مزيدا من القوانين التي تهدد نمو الاستثمارات العربية العربية. لقد أثبتت تجربة دول الخليج في كثير من المناحي الإقتصادية أن هناك أمل. لكن ماذا سيحدث عندما تصبح دولتان أو أربع دول ضمن المنظومة، هل ستستطيع أن تنخرط في سلسلة القوانين المرنة، أم أنها ستؤدي إلى إبطاء حركة التقارب والإنجاز البطيئة أصلا.
هذه الخاطرة الأولى، تأتي على إيقاع تبادل كل الأشقاء والأصدقاء في هذه الدول للطرف والنكات التي تعكس قدرا كبيرا من الإحباط الذي يعيشه المجتمع العربي الذي تهصره البطالة والفقر والوعود المؤجلة، فلا يملك سوى أن يستحضر صوت المغني وهو يردد : شويخ من أرض مكناس ، وسط الأسواق يغني...وش علي أنا من الناس ... وش على الناس مني.
طيب الله أوقاتنا العربية.

الثلاثاء، 10 مايو 2011

ناحية القلب




ناحية القلب
هناك شيء توارى
لم أعد أراه
و... همست لنفسي:
ها أنا أتأهب لارتحال
يمنحني بعض سلوى
فأنا
عند كل طعنة
أحاول أن أبتسم
في وجه صلف اللحظة
وأقول
ثمة غد أجمل
أصوغ الأمل من حولي
وقلبي يلوذ بي
يقول لي
ناحية القلب
ها هنا وحشة
وبعض ألم
فأهمس
غدا...
غدا ستكون بخير
غدا سيكون أجمل

الثلاثاء، 3 مايو 2011

عربيا تجاوز الخطوط الحمراء يحرمك من رؤية الشمس




صادف يوم الثالث من مايو الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة. في هذا اليوم، النظرة على الأوضاع في العالم العربي تشير إلى أن الحريات تتراجع بشكل لافت.
وإذا ما غضضنا الطرف عن قناة أو أكثر تعتبر أن الحرية تتمثل في الشتم، ليس ثمة ما يغري بالحديث عن حرية مسؤولة وحقيقية. فالفضاء العربي يعج بالكثير من المنابر الإعلامية ذات اللون الواحد.
وبين قنوات اللون الأسود وقنوات اللون الأحمر وقنوات اللون الأصفر تتهادى الأفكار التي تتنازع على عقل المتلقي راغبة في حقنه بفكرة واحدة، وبعض القنوات لو امتلكت عصا لأمسكته وجربت أن تستخدمه مع كل مشاهد وهي تصرخ: ألا تفهم يا ولد؟!
حال الصحافة لم يعد بعيدا عن هذا الواقع مع الأسف، والرقابة اللصيقة للإعلام العربي ليست فقط من خلال الأنظمة والقوانين الخاصة بالنشر، بل إن الرقابة الأقسى هي رقابة تصطنعها تيارات وأحزاب تهيمن على الصورة العربية وتتحكم فيها، باعتبار أن هذه الأحزاب ورثت هذه الهيمنة من الأحزاب السابقة.
ومن هنا فلن تعدم أن تستغرب وأنت تسمع عن بلد طالب فيه الثوار بالحرية، وعندما نالوها، التفتوا إلى الإعلام وطالبو بتقييد حريته. وهي صورة ليست جديدة مع الأسف، فالإعلام كان دوما هو (المركوب) الذي تستخدمه الأيديولوجيات لتحقيق مآربها، ثم تأتي لحظة الحقيقة ليكون هو الذبيحة الأولى التي يجري تقديمها على المذبح.
حدث هذا الأمر في الإتحاد السوفيتي، وحصل في كل الدول التي سارت في فلكه، ويحدث في مختلف بلدان العربي بلا استثناء.
وفي بلد أو أكثر توجد فيه مدينة إعلامية، يحق لكل وسائل الإعلام التي تستضيفها مدينته أن تتحدث عن أي شيء إلا عن البلد التي يستضيف هذه القناة. وأي خروج عن هذا النص، مدعاة للتضييق على هذه القناة أو تلك، وأحيانا سحب الترخيص منها.
لقد انصاعت قنوات عربية في تلك المدن الإعلامية لاشتراطات اللعبة، فأغمضت عينيها كثيرا عن الأزمات التي يشهدها هذا البلد، وسلت سكاكينها على بلدان أخرى.
هذه الصورة موجودة في أكثر من بلد عربي مع الأسف. الحرية تتوقف عندما تفتح عينيها على واقع هذا البلد أو ذاك.
 لهذا السبب يسهل كثيرا التشكيك في مصداقية هذه القناة أو تلك. والأمر نفسه ينسحب على الصحف والمجلات.
المنبر الوحيد الذي يتمتع بمساحة أفضل هو التدوين. وحتى هذا المنبر، يعاني من يمارسه من فوبيا تجاوز الخطوط الحمراء التي ستنقله إلى ما خلف الشمس. 

الأحد، 1 مايو 2011

غاب أسامة بن لادن : هل تنشط عناقيد القاعدة؟



أسدل الرئيس الأمريكي باراك أوباما الستار على قصة أشهر مطارد في العالم: أسامة بن لادن. صور كثيرة مدهشة لقصة حافلة بآلام أبرياء لقوا مصرعهم نتيجة فكر القاعدة الذي استشرى في العالم.
أمريكيون يحتفلون بمقتل أسامة بن لادن
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، تباينت الرؤى والتصورات حول الرجل. مسلمون رأوا في هذا الأمر انتصارا، لكن آخرين كانوا يستشرفون الصورة الأسوأ التي تحققت فيما بعد، فقد أفضى إرهاب القاعدة وعناقيدها، إلى تشويه صورة الإسلام وتحويل المسلمين إلى موضع اشتباه وارتياب.
لم يتوقف إرهاب القاعدة عند غير المسلمين، فقد اكتوى بنيرانهم مسلمون في أكثر من بلد عربي، من بينها السعودية التي كانت مسقط رأس أسامة بن لادن.
من المؤكد أن أسامة بن لادن، مثله مثل بقية الأفغان العرب، وجد في أفغانستان تربة خصبة، أعطته فرصة لتأصيل فكر الغلو والتطرف.
لقد بدت عملية تصنيع الأفغان العرب، تحت السيطرة بالنسبة لعدد من القوى الإستخبارية الدولية والإقليمية، لكن خروج السوفيات من أفغانسان، أبقى إشكالية الأفغان العرب، الذي تشكل فكرهم من جديد في أفغانستان، وصاروا غرباء عن الفكر الإسلامي وفكر بلدانهم.
هذه الغربة جعلت الأمر يأخذ بعدا مخيفا، فأفغانستان صارت نافذة لتمدد عناقيد القاعدة شمالا وجنوبا، وشرقا وغربا.
ولعل خروج القاعدة من السيطرة، أفضى في النهاية إلى سلسلة من العمليات الإرهابية والإنتحارية، التي توجتها القاعدة بأحداث 11 سبتمبر 2001.
موت أسامة جعل الكل يسأل: وماذا بعد؟
هناك من يتخوف من عناقيد القاعدة. وتمدداتها التي تنتشر هنا وهناك. هل ينتهي تنظيم القاعدة؟ لا يمكن الجزم بذلك. فأسامة بن لادن قبل مقتله، وأيمن الظواهري حاليا كانوا أقرب إلى التنظير من الفعل التنفيذي.
لقد سئم العالم وضمنهم المسلمين، من خيارات العنف التي أشغلته طويلا، سواء كان هذا العنف يساريا أو نازيا أو إسلامويا.
العالم يتهيأ لبدء حقبة طويلة، وعينه حاليا تتركز على عناقيد القاعدة، التي ربما تترجم غضبها لغياب قائدها، من خلال عمليات نشطة تتخذ من بعض الكيانات القلقة ـ اليمن ومصر وليبيا مثلا ـ منصات انطلاق مؤثرة.




الاثنين، 25 أبريل 2011

الأحرار ينافقون أيضا


 ما أن تطرح رأيك في أي أمر، حتى يتأهب من يعارضك لتسفيه هذا الرأي واتهامك بكل سوء.
 الخلاف في الآراء عربيا  صار يعني العداء وليس الحوار.
بعد أن انطلقت الفضائيات العربية، تأسست تلك الحواريات التي تكرس للسقوط الكلامي والفكري، وبالتالي كان علينا أن نشهد في هذه القناة رجلا يصفع الآخر، وأن نرى في قناة أخرى الأمر يتحول من حوار إلى حلبة للملاكمة.
هذا الفعل العبثي أصبح مثار تندر بين الناس، ويتناقل الصغار والكبار مقاطع على اليوتيوب، تعكس إلى أي مستوى يمكن أن ينحدر الحوار الفضائي الحر.
لكن السؤال هو: كيف استيقظ فجأة مثل هذا الإنفلات، حتى أصبحنا نشهد الملاسنات التي تدخل في قائمة المحضور من السباب واللعنات التي تكال لأم هذا ولأبي ذاك، دون أن يرف جفن لأي هيئة إعلامية مدنية توجه اللوم الخطابي على الأٌل للقناة التي تتجاوز.  
ولعل تعليق البعض على مثل هذه المقاطع، بالقول إن هذه شوارع ودكاكين لم يبتعد كثيرا عن الحقيقة.
لقد أسست قناة الجزيرة تحديدا لثقافة التعبير السوقي والشوارعي، الذي يتبادله نخب ثقافية وسياسية بشكل يعكس صورة ممجوجة للشخصية العامة التي يترقبها المتلقي متوقعا منها أن تعطيه رؤى وتصورات وأفكار جديدة، فإذا بها تهبط إلى مستوى ينأى كل من يحترم نفسه عن الوصول إليه.
ومن المثير للسخرية، أن يتحاور شخصين في التاريخ، فيتحولا إلى كتلتين من الغضب، كل واحدة تحاول أن تنتصر لرأيها، وفي نهاية الحلقة يمسح كل منهما عرق جبينه، ويصافحهما المذيع في مشهد يجسد قمة السخرية لتنتهي الحلقة على طريقة فيصل القاسم: أشكركما ..أشكركما لم يبق عندي وقت.
إن سطوة قنوات التهييج الإعلامي على النخب، جعلت بعضهم يتمرغون في النفاق، وهم الذين يوهمون أنفسهم قبل الآخرين أنهم أحرارا.
 لكن الحرية إذا كانت مغموسة بالشتائم وتزييف العقول، يمكن إطلاق أي إسم عليها، لكنها ليست حرية. ولا يمكن الحديث بمواربة عن هذا الأمر لمجرد الحرص على الإطلالة على المشاهدين، أو المشاركة في مؤتمر تنظمه هذه القناة أو تلك تارة عن الديموقراطية وأخرى عن الأفلام التسجيلية. 

الخميس، 21 أبريل 2011

بين الأحذية والأقدم







''إنك لرجل غريب ، يحمّل حذاءه أخطاء قدميه'' هذه العبارة التي انتزعتها من مسرحية (في انتظار جودو) لصمويل بيكيت.
تضيء صورا كثيرة، صحيح أنها صور عابرة، لكنها صادقة. ما أكثر ما نجد أنفسنا نضع ألف مبرر ومبرر للفشل، لكننا غالبا نستبعد السبب الحقيقي، وأحيانا نميل إلى أن نكتفي بالنظر إلى قميص يوسف المصبوغ بدم الشاة. 
هذا الأمر أيسر من إجهاد النفس ومواجهة الحقيقة.مثلا : نحن نتحدث عن مشكلة الوعي، والافتقار إليه، ومشكلة احترام الأنظمة، بل مشكلة تنفيذ بعض الأنظمة والقوانين. لكننا دوما نفتش عن متهم سوانا. نشتم من يخالف أنظمة السير في الطريق، ولكننا نخالف. نطالب الآخرين بأن يكونوا متحضرين ويقفون في الطابور أمام كاونتر الجوازات أو الخطوط السعودية ولكننا نبيح لأنفسنا ألا نلتزم. ندعو إلى عفة اليد والنفس واللسان، وكثيرا ما نقوم بتعطيل هذه الكلمات البسيطة عندما يتعلق الأمر بنا باعتبار أن ''الله غفور رحيم''. هذه المعضلة الأزلية لا علاج لها إلا من الداخل. الأنظمة والتشريعات هي أدوات. لكن الضابط الحقيقي في الداخل. هنا تظهر عبقرية لفظة ''النفاق'' التي تختصر معضلة البشرية ـ ليس في الدين فحسب بل في كل المعاملات،... إنها تعيدك إلى تلك الصيغة العبثية الغريبة: تحميل الأحذية أخطاء الأقدام. ابدأ بنفسك كي يتغير من حولك.

الاثنين، 18 أبريل 2011

نصوص في البكاء و...أشياء أخرى


نخلة صغيرة *



أشتاق
فـ ألثم الصورة
و... ألتمس السلوى
لـ قلبي الموجوع


أراك في ضحكة طفل

لا يعلم أنه منذور للسماء



أنا يا حبيبتي

أضحك في وجوه الناس
وقلبي يئن 
لأنه لا يعرف 
أن أوان الرحيل
عنوانه : لا إياب
غياب..يتلوه غياب
فـ ألثم الصورة



ولا أحكي لهم عنك

فهم مشغولون 
هم طيبون يا صغيرتي
لكنهم لم يعرفوك مثلي
وإن لامسوا حزني
يقولون : غدا ينسى
ولا أنسى



يغيب عام

ولا أنسى
يطل عام
ولا أنسى



وهم طيبون

طيبون
يقولون : ألا تنسى؟!!
فـ أحلم أنك معي
أعيشك ضحكة دائمة
أراها 
ولا أرى قاتلك المجنون
لأنني
لا أرى سوى موتك
وأصبر..
لأجلك
ولا أصفح
لا أقدر
رغم أنني 
غسلت روحي
بسماحة "طاغور"
وملأت قلبي
بصبر أيوب
ولم أقدر
ولن أقدر
فـ ألثم الصورة
وأبحث عن السلوى




*لذكرى مرور عام على رحيل ابنتي لينا يرحمها الله، في اللغة: لينه النخلة الصغيرة، الطرية،... السريعة الإنكسار. لو علمت ـ حينها ـ أن هذا هو المعنى لتحاشيت اختيار هذا الاسم.


حبيبتي الأثيرة





حبيبتي الأثيرة
هذا المستحيل
يحدق بي


أنا لن أراك هنا

أو هناك
في غرفتك
في الصالة

لن أجلس إلى جوارك
أشاهد أفلام الكارتون
أو ألعب معك
وأفرح بهزيمتك لي


لن نتفاوض في الشتاء
عن آيسكريم "باسكن روبنز"
ولا عصفورتك الصغيرة
التي أخافك موتها كثيرا

لن نشاهد "هاري بوتر"
ولن نتقاسم وجبة الأطفال
فتحصلين على اللعبة
ولن تختاري لي أشيائي
ولن تأخذي مني نقودا
لتفاجئيني بهديه
كنت كبيره
كنت أثيره

ولا عن حكاية المساء: 
تعلمت أن أحكي لك
وأحيانا تطلبين المزيد
فأستدعي كل خيالاتي
أصوغ قصة تلو قصة
كنت غالبا 
تعيشين داخل الحكاية
تارة على شكل وردة
وتارة طفلة كما أنت
وأحيانا
أصوغك حلما 

ظننت أنني بمنأى 
عن فجيعة فقدك
ولم أكن أعلم
ولا أحد يعلم:
نحن يا أثيرتي
أوراق شجرة
خريفها لا موعد له
وما كنت أعلم
أن بعض الخريف
يحلّ في الربيع




اليوم
هزائمي لم تعد تعنيني
لا تفرحني
ولا تحزنني
وخيبات هذه الحياة
لا تعدلها خيبة غيابك
وكل شيء صار هباء
لا شيء يعوضني
عن بهجة
كان سرها : أنت

يقول صاحبي
غدك رغد
وتشرق ابتسامتي
أراها أراك
ويستطيل جرحي
ويهمس:
ما نفع البكاء؟
ولا أدري
أأبكي على حلمي،...
فجلّ أحلامي
ضحكت لها
وهي تغدو يباب!

أنا لم أعد أنا
فنصف قلبي ثوى
حملته على كتفي
وضعته في الثرى
أهلت التراب عليه
وما بقي 
سوف نصف قلب
يغترف الحزن
ولا يرتوي
يصيح بصمت
ويهذي:
يضيع في الأبجدية
لا شعر
لا نثر
بل محض : أنين


توق

لن يعلم أحد
أن التوق لا ينطفئ
لا أحد
لديه رغبة
في معرفة هذا

صاحبي
الذي يحبني في البعد
ويكرهني في القرب
لا يعرف أنني
لم أعد أتقن التوق
لشيء

ما عاد يغريني
أن أناكف خوفه
ولا عاد يغضبني
أنه يكذب علي دوما

أنا قررت أن أستريح
من الغضب
من التعب
من التوق
من العتب

ليتني أستطيع
أن أصوغ لك أغنية
تجعلك تنام
كي تستريح
أشعر أنك تحترق


أحاول أن أستجيب


حتما
هو حزن ورضى
يعتريني
فألتحف فضاء شاسعا
وأحتمل الصمت
فلا صوت أجمل
من الصمت
ولا لفظ أبسط من :
أحبك يا صغيرتي

هناك
حيث لا أحد
ولا صدى
تجيئين
تتأملين جلستي
تكادين تسألين
ولكن صوتك يغيب
أجيبك؟
لا أدري كيف أجيبك؟
ولكنني أهمس:
نعم

أحاول أن أستجيب
كل هذا الحب
لم يغب عني
أبتسم
أتكلم
أتعلم أن أعيشك
حتى وأنا مشغول معهم
تجلجل ضحكتك
فتغسل تعبي
وأستريح


ضوء
يا كل الضوء
والطهر
والفرح
والأمان
يا نور البيت

يا صوتي
ونبضي
وضحكي
ولعبي
وحناني
يا ابتسامتي الفارهه

ما زلت
لا أصدق
لا أريد أن أصدق
وأحسك معي
عيناك تتابعني
ترعاني
تهتف بي:
لا تتأخر
تهتف بي:
أنا أحبك أكثر
تهتف بي:
أنظر
رسمت صورتك
هل تعجبك؟

روحك لا تتقن
غير الحب
أميل على كراستك
الألوان الفاتحة
تعكس بياضا
لم يكن يدهشني

يا كل الضوء
ما زلت أحكيك
باسما
لأنك تحبينني هكذا

ما زال صوتك حيا
وأنت تحرضينني
أكتب لي
في "الأوتوجراف"
وأتردد
فلا أحد هناك
غير زميلاتك
ومعلماتك
"هذا لا يصلح"
لماذا
هذا دفتري أنا
أكتب " يا بابا"
وكتبت
عنك
وعني
وعنا
رضي الله عنك
برضاي
وسروري
كلما تملكتني الوحشة
فاستحضرت صورتك
لأتقوى بها
رضي الله عنك
بدعاء كل مسكين
كنت تستوقفينني
لأجله
وتمنحيه من مصروفك الضئيل

"فسوق" عبده خال غير المفهوم!!


أشك كثيرا أن عددا غير قليل من منتقدي "فسوق" عبده خال قد قرأوا ما كتبه الرجل، قبل أن يشرعوا سيوفهم من أغمادها؟

أشك أنهم، عرفوا عن أي "فسوق" كان الرجل يحكي، وعن أي شخوص كان يتحدث. بدا عبده خال في تلك الرواية، حاملا مبضعا يفتح من خلاله سلسلة من القضايا التي يعيشها المجتمع، من خلال حكاية شعبية، تأخذ شكلا بوليسيا، يحاول أن يتقاطع مع حادثة ما، تتحول من موت إلى "فضيحة". لكن هذه "الفضيحة" التي تمثل كرة الجليد، تنطلق لتكشف سلسلة من الفضائح التي لا تمس الأفراد فحسب، بل تطال أيضا مؤسسات المجتمع الذي يشارك في صنع النهايات الأصعب في كثير من القصص والحكايات.
أين أخطأ عبده خال في "فسوق"؟
هل أخطأ حينما رسم شخوصا إيجابية وسلبية في مجتمع الشرطة وفي مجتمع هيئة الأمر بالمعروف؟
أم أنه أخطأ حينما حاول تعرية المجتمع، ووضعه أمام خياراته المتناقضة، في كثير من المواقف؟ فهو ـ عندما يدين هذه الحالة أو تلك ـ سرعان ما تتغير قناعاته لمجرد شائعة، تتغلب على القناعة المتأرجحة أصلا؟
هوجم عبده خال بسبب "فسوق" كثيرا. وأكاد أجزم أنني قبل قراءتي لها، كنت متأثرا بقدر غير قليل من كتابات وقراءات غريبة، شاهدتها في الغالب في المنتديات. ولكنني بعد أن أتممت القراءة، تأكدت ـ وهذه ليست المرة الأولى عموما ـ أن هناك من يحكم دون أن يقرأ، وهناك من يجتزئ عبارات كي يصدر أحكاما جاهزة على هذا أو ذاك، وهذا ما حدث، وما سيحدث دوما مع الأسف.

الأحد، 17 أبريل 2011


الهويات القاتلة أيضا



طلب الدكتور مقبل الذكير مني في تعليق له على مقالة السبت الماضي مواصلة الحديث عن كتاب الهويات القاتلة الذي عرضت له عبر كلام عابر، ... ورأيي أن جمال أي كتاب أن تتم قراءته حتى لا يتم ابتسار أفكاره.
لكنني أجزم دون تحفظ على ضوء ما ورد في الكتاب أن كل دول العالم تعاني صراع الهويات وتدافعها داخليا وخارجيا. وأسهمت العولمة في خلط أوراق الهوية فأصبحت تضيق وتتسع. من هنا يمكن قراءة قضية الحجاب التي امتدت لتشمل كل أوروبا. وتباينت وجهات النظر نحوها، والأمر اللافت أن الكل يستخدم مفهوم الهوية من أجل الدفاع عن موقفه وعن وجهة نظره. وفي الوقت الذي يرى طرف أن القضية انتقلت لتأخذ منحى عنصريا رأى الطرف الآخر أن الأمر يندرج تحت الحفاظ على الهوية الأصلية.
هذه السيناريوهات تتكرر في كل منطقة من مناطق العالم. وينتج عنها ما يمكن تسميته المعايير المزدوجة.
ونحن كبشر لا نتقن شيئا أكثر من إتقاننا للمعايير المزدوجة التي تجعل الحقيقة مجزأة بين أطراف عدة وبالتالي كل إنسان يرويها على طريقته الخاصة، ويجتهد في وضع المسوغات لها بالشكل الذي يتصوره وفقا لمؤثرات كثيرة لا يمكن عزل المصالح عنها.
هنا يبدو أن أي كلام عن التسامي فوق العنصرية وفوق الهويات القاتلة التي أشار إليها أمين معلوف مجرد أمنيات نخوض فيها بشكل جميل، لكننا سنضبط أنفسنا ونحن نقع في الفخ الذي يعيدنا إلى المربع الأول،...هذا المربع يحلو لي أن أسميه: البحث عن معنى.

الهويات القاتلة 




الفرنسي من أصول لبنانية الروائي والكاتب أمين معلوف
تمنى الكاتب أمين معلوف الفرنسي من جذور لبنانية أن يكتشف حفيده بالصدفة كتابه ''الهويات القاتلة'' في مكتبة العائلة، فيقرأ بعض صفحاته ثم يعيده إلى الرف مندهشا من الحاجة إلى تناول مثل تلك القضايا.
يكتب المعلوف مؤلفاته بالفرنسية، وتتم ترجمتها فيما بعد إلى العربية. وغالبية الترجمات التي تتولاها نهلة بيضون سلسة ولغتها راقية جدا.
وأمين معلوف يكتب في الفكر ويكتب في الرواية والتاريخ. وتشغله قضايا العولمة والانتماءات والهويات التي توجد نوعا من التمايز القلق بين أكثرية غالبة وأقلية مغلوبة.
كتاب الهويات القاتلة يحاول أن يصوغ رؤية لما ينبغي أن يكون على صعيد التواصل الإنساني. وهو لا ينحاز في ذلك إلى طرف دون آخر، بل يمارس دور المهندس الماهر الذي يحاول ترتيب العالم وفقا للمأمول.
ويعترف أنه منذ هجرته إلى فرنسا في 1975 وهو يجيب كل من سأله إن كان يشعر أنه فرنسي أو لبناني بالقول: هذا وذاك. الكتاب يقدم مقارنات حول صراع الهويات الذي يختلط فيه الزمان والمكان والمناخات المختلفة.
وهذه الهويات تتباين وفقا للظروف فالانتماء الديني يختصر الهوية بكاملها عندما يشعر الناس أن إيمانهم مهدد. وينسحب الأمر على اللغة إذ تصبح هي الهوية إذا كان الخطر يحدق بها، وربما من أجل هوية اللغة، يخوض المرء قتالا مع من يرتبط معه بهوية الدين، كما هو حال الأتراك والأكراد الذين جمعهم الدين وفرقتهم اللغة. لكن أحيانا حتى اللغة والدين لا يتم التعامل معهما كهوية طاغية كما في حالة قبيلتي الهوتو والتوتسي.
الكتاب يطرح أسئلة صعبة تخصنا كعرب ومسلمين، سواء في دول المهجر أو حتى في العالم العربي ولكن المساحة لا تتسع لمزيد من الكلام.

السبت، 2 أبريل 2011

مطلوب ثلاثة نفر سعودي على الهواء هذا الأسبوع


العرب يفرطون في ظلم السعوديين كثيرا، خاصة عندما يحاولون تصدير الآراء عبر فضائياتهم باعتبار أنها تمثل وجهة النظر المحلية تجاه القضايا. وهذا يعكس استسهالا أو استغفالا ـ سيان. ولا شك أن لسان حال كثير ممن يقيض لهم أن يتابعو شأنا محليا عبر فضائيات عربية أن يرددو مع طرفة ابن العبد:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على النفس من وقع الحسام المهند

داهمني السؤال بالأمس، وأنا أتابع أحد البرامج التلفزيونية، فشاهدت شخصا يظهر في كل زمان وفي كل مكان. وكأن لا أحد سواه يمكنه الحديث والكلام.
هو يتحدث عن ارتفاع أسعار البطاطس في قناة الإخبارية، ويتحدث عن الأوضاع السياسية في قناة العالم، ويتحدث عن التاريخ في قناة المستقلة، ويتحدث عن قيادة المرأة للسيارة في قناة إل بي سي. ويتحدث عن الإصلاح في البي بي سي. ويتحدث عن تخصيص الأندية الرياضية في الجزيرة...إلخ.
أحيانا أتصور أنه من كثرة شهوته للحديث، يتكلم وهو نائم.
 هو لا يصمت أبدا.
 ولذلك يبدو كل ما يقوله عبارة عن تخاريف.
هذا الشخص الذي أشقانا بكلامه وثرثرته ليس واحدا، بل هم مجموعة بعدد أصابع اليد الواحدة. تراهم رجال العصر والمغرب والعشاء والفجر. أو هكذا يزعمون.
وفي ظل صناعة الإعلام المعلب، لم يعد هناك من يصنع فكرا، بل هناك شيء أقرب ما يكون إلى الطلب الجاهز، الذي تلبيه شركات يعمل فيها أناس لا يعرفون أحدا، وجل ما يفعلونه هو الاحتفاظ في أجندة تلفوناتهم بخمسة أرقام، مع ملاحظة باردة: متحدث بتاع كله.
هناك أناس بارعون للغاية، ويمثلون واجهات، لكنهم لا يمارسون الرقص في كل منبر، وفي كل حين.
صاحب الرؤية، لا يورط نفسه في فخ الإعلام المزنوق بحثا عن ضيف، وإنما يخطط متى وكيف يظهر؟
هذا الأمر لا يتم العمل عليه لدينا بشكل جيد. وشركات العلاقات العامة التي تتعامل مع الفضائيات، اختارت الفعل الكمي، هي تتفق مع الفضائيات على طريقة: ثلاثة نفر سعودي في الأسبوع.

الخميس، 24 مارس 2011

هل توطين الوظائف فعل عنصري؟


يبدو أن السؤال الذي أطرحه هنا، له ثقل وإيقاع ينطوي على مناصرة ومعارضة من جانبين. وفي كل الأحوال، الحدس الإنساني والحس الوطني يحرك كثيرين للتهيب من الأمر أو التركيز عليه.
هناك واقع يتمثل في بطالة ضاغطة، تعيشها معظم البلدان العربية دون استثناء. هذا الواقع يسهم في إثراء تفاصيل الصورة التي تتسم بالقلق من التأثيرات السلبية لقوافل العاطلين عن العمل.
المسألة هنا تأخذ بعدا وطنيا وسياسيا، يجعل التفريط في الأمر، أو التهوين منه، يمثل مأزقا يدفع إلى نتائج وخيمة.
في الجانب الآخر، يقف أكثر من طرف، محذرين من الإفراط في الحماس، لأن الأمر ينطوي على فعل طارد للمستثمر الذي يريد عمالة رخيصة. وصاحب هذا الرأي يزعم أن العمالة الوطنية ـ في الخليج على الأقل ـ كلفتها أعلى من مثيلاتها الوافدة من الدول العربية أو بقية دول العالم.
وسط هذا الحوار، الذي يترقب قرارات التوطين، ويحاول تارة الحماس لها، وتارة الإلتفاف عليها، يأتي صوت آخر قد يكون خافتا نوعا ما.
هذا الصوت يتمثل في العاملين العرب الذين يعيشون في الخليج منذ عشرات السنين، ولم يتمكنوا من الحصول على حق المواطنة. وهم يجدون أن التوطين لا يراعي في تفاصيله مسألة أنهم عاشوا في المجتمعات الخليجية كل هذه السنوات، وشارك آباؤهم في صياغة وجه من وجوه التنمية الإنسانية في هذه البلدان.
أنا هنا سأتحدث عن الفلسطينيين كمثال.
الفلسطينيون يعشيون وضعا مختلفا في كل العالم العربي. إذ بموجب قرارات جامعة الدول العربية، ممنوع تجنيس الفلسطينيين. القرار عندما صدر في منتصف القرن الماضي، كان هدفه نبيلا للغاية، كان يريد أن يحفظ الفلسطينيين من الذوبان. لكن السنين أثبتت أن القرار كان جائرا على الإنسان.
 وقد سافر فلسطينون كثيرون إلى أوروبا وأمريكا واكتسبوا جنسيات هذه الدول، لأن الدول العربية كرست من خلال هذا القرار مبدأ إهانتهم، ولعل مخيمات الفلسطينيين في أكثر من بلد عربي خير شاهد على ذلك.
صحيح أنه لا يوجد في دول الخليج مخيمات. بل يوجد فلسطينيون غالبا ما يحصلون على استثناءات حتى في التوظيف. لكن إيقاع التوطين أخرجهم من أعمالهم الحكومية، ونقلهم إلى القطاع الخاص، ولم تتوقف مآسيهم وقلقهم ولم ينتهي شعورهم بالتعب بسبب وثائق السفر التي تفتح لهم بابا وتغلق في وجههم عشرة أبواب.
وحال شعوب عربية أخرى، لا تختلف كثيرا عن حال الفلسطينيين، فقد كان الفقر والإضطهاد، طاردا لهم من بلدانهم، فاختاروا الغربة العربية باعتبار أنها أخف ضغطا، لكن ظروف البطالة وضعتهم على خط الريح الذي طالهم أواره.
من المؤكد أن التوطين بكل مصطلحاته : "سعودة" ، "أمرتة" ، "تكويت" ، "بحرنة"...إلخ. لا يمثل في منطلقاته أي فعل عنصري.
 لكن إيقاع الكلمات التي يتم استخدامها في محاولة القطاع الخاص تحديدا بالمسألة، تقع أحيانا في فخ الأوصاف العنصرية، التي لا يليق أن يتم استخدامها في أي مجتمع متحضر.
هناك أناس يرون أن العرب، ينبغي أن يكونو آخر من يتم الاستغناء عنهم من أجل إحلال المواطنين في دول الخليج. وأصحاب هذا الرأي يعززون طرحهم بأنه لا خوف على التركيبة السكانية والنسيج الإجتماعي من الوجود العربي. والتهديد الحقيقي هو من الثقافات الأبعد، إذ أن تكاثرها في المجتمعات الخليجية هو العامل الضاغط الذي يلقي بظلاله السوداء على عدد من مجتمعات المنطقة.
ويبقى السؤال : كيف يحدث التوطين دون أن يمس ثوابت الإنسان؟ كيف نحافظ على أشقائنا العرب بيننا ونحفظ الود معهم؟ وقبل ذلك: كيف نقنع القطاع الخاص بتحقيق نوع من التوازن بين التوطين واستقطاب الخبرات الخارجية.
ينبغي بداية أن نعترف أن قطاعنا الخاص يضم قيادات لا تؤمن بالتوطين. وهذه هي نفسها القيادات التي وجدت حرجا شديدا في مجاراة الأوامر الملكية بتقديم راتبين للسعوديين، أو رفع الحد الأدنى للرواتب.
ذلك أن الفلسفة التي يعتنقونها ترى أن دورة العمل الإنتاجي لها وجهة واحدة فقط لتحقيق الربح. هذه الوجهة يغيب فيها عامل المكافأة المستحقة للعامل المخلص. خاصة أن عملية التوظيف لتحقيق مسألة التوطين تراعي أحيانا أن توزع مثل هذه الوظائف على شكل شرهات لشقيق هذا المسؤول أو قريبه.
هذه المعضلة هي التي تجعل بوصلة التوطين في السعودية والخليج تقفز فوق الإنسان بصفته إنسانا. هي نوع من الميكيافلية التي لا تريد أن تمارس دورا وطنيا، رغم أنها لا تستنكف أن تزعم الوطنية وترددها من خلال إعلان هنا أو تبرع هناك. شغل علاقات عامة، وليس شغلا وطنيا حقيقيا.
هنا يبدو صاحب القرار مضطرا لمسك العصا ورفعها، بعد أن فشلت الجزرة في جذب انتباههم. هذا ما سيحدث قريبا جدا.
 الخوف أن تؤثر الإنتقائية على بعض الشرائح التي أشرنا إليها.
العرب يستحقون أن ننحاز إليهم حتى ونحن نتهيأ لاختيار قراراتنا الأصعب بتقليص العمالة الوافدة.