الثلاثاء، 23 أغسطس 2011

الجنية بين بدر بن عبد المحسن وغازي القصيبي








وضع الدكتور غازي القصيبي من خلال ''الجنية'' نصا فتح الأسئلة الأسطورية حول شغف الجن بالإنس. وهي حكايات تتجاوز منحى التسلية إلى فتح هذا الملف الذي يستوطن المخيال الشعبي بشكل يقيني. عالج القصيبي الموضوع كعادته من خلال لغة سهلة وواضحة.
وفي نفس السياق تابع المشاهدون ''توق'' بدر بن عبد المحسن، التي تحدث عنها البدر طويلا، وتراوح الحديث عنها في أكثر من تصريح باعتبارها رواية أو مسرحية، لكنها ظهرت كمسلسلة تأخذ بعدا أعمق، فهو من خلال الجنية توق يعاود محاكاة التاريخ خلال الحقبة العثمانية وينتقل من خلال هذه الرواية بين الجزيرة العربية والشام.
وإذا كانت جنية بدر بن عبد المحسن قد اختارت سالم وهو طفل رضيع، وقررت أن يكون بالنسبة لها زوج المستقبل، فإن غازي القصيبي اختار لجنيته جغرافيا ومساحة أخرى هي المغرب. كان عليه أن يوجد مصادفة كي يلتقي من خلالها الطالب السعودي المبتعث إلى الخارج بالجنية خلال رحلته الجوية عائدا في إجازة.
اللافت في جنية غازي القصيبي وجنية بدر بن عبد المحسن، مساحة الشد والجذب التي استوطنت النصين. وهذه الأمر يمكن رصده في الواقع، إذ حتى العقلاء يستحضرون أحيانا حكايات الجنيات ولكنهم دوما يختمون أحاديثهم بالتأكيد على أن الأمر ليس أكثر من تخاريف وخيالات.
ما يميز ''توق'' أن النص يلمس بشكل لطيف، عددا من ملامح مرحلة تاريخية خصبة، ولعل هذا التناول من خلال نص محلي يكون نقطة بداية لصياغة تاريخنا من خلال مثل هذه الحكايات المشوقة.

الخميس، 11 أغسطس 2011

توفيق الحكيم وعودة الروح المصرية المتجددة


في الفصول الأخيرة من رواية عودة الروح، لتوفيق الحكيم التي أنجزها في باريس عام 1937، تظهر صورة من صور الثورة التي شهدتها مصر أخيرا. ربما تغيرت الشخوص لكن من المؤكد أن الصورة ذاتها والروح نفسها قد تلبست جيل  يناير.

شيء واحد كان ينقص الحدوتة التي أتقن توفيق الحكيم صياغتها، البطل أو الزعيم الذي يعيد صياغة آمال الناس. تواردت هذه الخواطر في ذهني وأنا أعيد قراءة الرواية، بعد أن نبهني الصديق الدكتور أنس الحجي خلال زيارة له للرياض مؤخرا إلى جوانب التشابه بين الثورتين، واستشهد بالرواية.
 
الرواية طويلة نوعا ما وهي من قسمين، وقد شعرت وأنا أقرأ فصول الرواية بارتياب في حكم الدكتور أنس، خاصة أنني أنهيت ثلاثة أرباع الرواية ـ بقسميها ـ ولم أجد خيطا يربط بين ثورة 25 يناير والرواية، لكنني في الفصول الأخيرة بدأت في التقاط المقارنة الصادقة. 
هو جيل عادت له الروح، التي كانت ولا تزال تتغلغل في الإنسان المصري منذ آلاف السنين، هذا ما تقوله الرواية.
إنه شيء يشبه السحر، ذلك الإندفاع الذي يحرك الناس، فيتحولون من حالة التصالح والتراضي مع النفس إلى حالة التلاقي عند هدف واحد يجد الناس أنفسهم مندفعين تجاهه بإصرار، يجعل الصورة تختلط على المراقب، فيخطئ القراءة، ويخطئ التفسير. أما أين ستتجه النهاية في الواقع لا فهي تبقى مفتوحة، كما هو حال رواية "عودة الروح" لتوفيق الحكيم.

الأربعاء، 10 أغسطس 2011

الوعي المغدور به

أحيانا يصبح الوعي مغدورا به، يتم تزويره وتزييفه، فيتشكل وعي جديد يقوم على مفاهيم خاطئة. والمؤسف أنه يتم فرض هذه المفاهيم وتسويقها باعتبارها تمثل الحق والحقيقة.
الوعي المغدور به، أفضى بنا إلى أن أصبح ثلة من أبنائنا، يتجهون صوب الغلو والتطرف بزعم أن هذا هو جوهر الدين الحقيقي. لقد تحول هؤلاء الأبناء إلى أدوات للقتل والتفجير باعتبار أن ريح الجنة لا تأتي إلا من هذا الباب. وهو وعي تم تسريبه في أذهانهم في غيبة للوعي الحقيقي الذي عرفه كبار السن من الآباء والأجداد فصاغهم الدين في سماحة وحب ورحابة وقبول للآخر.
الوعي المغدور به، أعطانا صورا مزيفة عن روح المواطنة الحقيقية، باعتبارها انحيازا للقريب وقريب الصديق، حتى تحولت منشآت ومؤسسات إلى قطاعات تتحكم فيها محسوبيات القرابة والنسب.
الوعي المغدور به، جعل البعض يطلق على الرجل الأمين أوصافا غير لائقة، فيما صار اللص من الشطار.
الوعي المغدور به، جعل أمثالا على غرار: إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب، تصوغ علاقات بعض البشر ببعضهم، فأصبحت الذئبوية عنوانا يتم من خلالها ممارسة الغش والكذب والتدليس باعتبار أنها أسلحة مشروعة في مسرح الحياة الذي صار أشبه بالغابة.
هذه نماذج بسيطة من الوعي المغدور به. وهذه النماذج سوغت للخطأ أن يصبح عرفا عند البعض. ثم بعد ذلك يأتي من يسأل محتارا: أين الخلل؟!!

الاثنين، 8 أغسطس 2011

غضبة العيال



في مصر، كان البعض يعبر عن تضجره من الشباب ومن حركتهم، وكان يردد بنوع من الانتقاص: دول عيال.
في تونس، قهرت شرطية متغطرسة، رجلا كان يحاول فقط أن يوفر لقمة عيش لأسرته من خلال عربته البسيطة، هذا الرجل هو محمد بو عزيزي.
في أكثر من بلد، كان هناك دوما نوع من التعامل الفوقي المتغطرس تجاه الإنسان.
عندما دارت عجلة الغضب في تونس، إثر حادثة محمد بو عزيزي، لم يستطع كثيرون قراءة الصورة بشكل دقيق. في ذات الوقت، كان الوضع في مصر يغلي، لكن قارئ الصورة كان مصرا على أن يقول: دول عيال.
كان الليبي والسوري واليمني يرددون، وهم يرون نتائج عجلة الغضب في كل من تونس ومصر يردد: نحن لسنا مصر ولا تونس. هذه العبارة التي يبدو أنها صارت لازمة للخطابات المصاحبة للدول الثلاث تعكس نوعا من الاستخفاف الذي تتلخص محصلته في عبارة: دول عيال.
في كتاب يوميات عيل مصري للكاتب المصري أحمد محمد علي، هناك خيط واحد يظهر يتمثل في صوت الإنسان البسيط، صاحب الأحلام السهلة، الذي لا يجد وسيلة ولا طريقا يؤدي إلى تحقيقها.
هذا العيل المصري وجد في ميدان التحرير مكانا لتفريغ آماله التي كان سقفها واضحا، لكنه سرعان ما بدأ يرتفع، خاصة مع استشراء لغة: دول عيال. وتبدو لهجة الكتاب بسيطة للغاية وواضحة تختصرها عبارة وردت في ثنايا الكتاب تشير إلى أن "مصر زي القمر بس محتاجة ننفض عنها التراب".
هذه اللغة السهلة البسيطة تختصر أحلام وآمال كثير من الشعوب العربية التي تحركت. القاسم المشترك بين هذه الشعوب، أنها بقيت تنتظر لسنوات طويلة وعود الحصول على المن والسلوى.
 لم تحصد طوال تلك السنوات سوى مزيد من الفقر واستشراء الفساد وتزايد حالات التهميش وانتشار القمع، وهو الأمر الذي أدى إلى التغيير. طالب الناس في هذه الدول بالإصلاح، فتم التشكيك بهم واتهامهم بأنهم يحملون أجندات.
كانت أجندتهم رغيف خبز كريم وحداً أدنى من تحقيق العدالة الاجتماعية، لكن قادة هذه الشعوب أصرت على عبارة واحدة: دول عيال.

الجمعة، 5 أغسطس 2011

جنية غازي القصيبي


جلست جنية غازي القصيبي إلى جواري أياما عدة. كنت خلالها أتشاغل عنها بقراءة كتب أخرى. لكنني عدت إليها من جديد. محملا بإرث من الحكايات والقصص عن تلك العوالم التي يغلفها الغموض والخوف وهواجس الأطفال المسجونين في غرفهم خوفا من مخالفة تعليمات الوالد والوالدة حتى لا يقعوا في المحذور ويصبحوا فرائس سهلة لا تعلم إن هي واجهت كائنا جنيا أين ينتهي بها الأمر؟!!
عندما بدأت في قراءة الرواية، وجدتني أستعيد تلك المخاوف والمسميات، وأكاد أضع يدي على قلبي من التهيب.
"الجنية" هي إحدى آخر إصدارات الأديب الوزير الدكتور غازي القصيبي. ويحلو له أن يسمها بالحكاية، رغبة منه ربما في التخلص من جدلية التصنيف الروائي، والوقوع في الخلاف النقدي بهذا الشأن. بدت هذه الرواية ـ أو الحكاية سيان ـ وكأنها تستحث في النفس كل تلك المخاوف.


ما من شك أن "جنية" غازي القصيبي، عائشة قنديشة، قد حملت الكثير من الرسائل الإنسية والجنية.
لكن القصيبي، كعادته دوما، استطاع أن يحمل حكايته، جملة من الرسائل التي يستطيع كل قارئ وقارئة أن يسبر أغوار النص على طريقته، ووفقا لما يضمره داخل نفسه. هنا نحن نخوض في هامش من هوامش النقد الثقافي الذي أسس له لدينا الدكتور عبد الله الغذامي، الذي يرى أن النص يتباين بين أكثر من رؤية: الأولى ترتبط بالمؤلف وما يرغب أن يقوله، وليس شرطا أن يعيه القارئ ولا أن يتمكن المؤلف من إيصاله، وهنا تبدو الإشكالية التي تنقلنا إلى مستوى ثان يتعلق بالقارئ الذي يقرأ وفقا لمعطياته المعرفية، وليس شرطا أن يكون النص مترجما أمينا لهذه المعطيات، ثم هناك المستوى الثالث الذي يتعلق بالنص وهو هنا الشيء الثابت الذي لا يستطيع لا المؤلف ولا القارئ أن يحيطا به!
الطريف هنا، أن جنية غازي القصيبي المغربية المدعوة عائشة قنديشة، حظيت بمحام بارع، استطاع من خلال شخصية فاطمة الزهراء، وفيما بعد عائشة التي جاءت في أعقاب رحيل فاطمة الزهراء الذي أجهض الزواج المنتظر بين الفتاة المغربية والشاب السعودي الدارس في أمريكا، لكن هذا الإجهاض كان مؤقتا فالقنديشة قررت أن تتقمص شخصية فاطمة الزهراء كنوع من التطوع وفاء لوعد قطعته لفاطمة، لتفاجأ عند استقبالها للشاب في المطار أن الوله تسلل إلى روحها هي الأخرى.
في إسهابه، يلمس الكاتب نوعا من الاختلاف بين المرأة المغربية وكل نساء الدنيا. وهذا ما يشرحه له أيضا ابن أخت عائشة قنديشة الذي كان رجل المهمات الصعبة عندما يحتاج الأمر إلى تدخله. وهو إلى جانب هذه المهمة باحث مهتم بالشؤون الإنسية، يكشف من خلاله المؤلف رؤية وتشريح الجن للشخصية الإنسانية!
إن اللافت هنا، أن نص غازي القصيبي، يسير بطريقة أو بأخرى باتجاه تقدير أصيل وغير تقليدي للمرأة، ولا شك أن هذا التقدير يتجلى شعرا ونثرا لدى القصيبي في كتاباته الأخرى، حتى وهو يصوغ رثاءه العذب في الليدي ديانا التي نشرها إثر وفاتها على حلقات في مجلة سيدتي، ثم أعاد نشرها فيما بعد في كتاب مستقل.
غير أن "الجنية" لا تنقل لنا في أفقها الأوسع مجرد نظرة للمرأة، بقدر ما تسبر أغوار البحث باتجاه غير المرئي من الحيوات الأخرى. وغير المرئي أو المسكوت عنه فيما يتعلق بالقيم الإنسانية بمجملها، والرغبات الدفينة باتجاه السلطة والمال والحب أيضا. ويمنحنا القصيبي الكثير من الوقت للتأمل، من خلال الاتكاء على سلسلة من الأساطير سواء التراثية والمعاصرة، ومن بينها أسطورة عائشة قنديشة في المغرب وأسطورة أم الشعر والليف وسواها في السعودية والخليج. إناث الجان، كن المدخل الذي ولج منه المؤلف إلى محاكمة عالم الإنس بداية، والتفتيش في هذه العوالم عن الحقيقي وغير الحقيقي من الأفكار والقيم. هو لا يقدم لنا إجابة حتمية في نهاية الأمر، لكنه يحرضنا على مزيد من التفكير، وربما استجلاب جانب من ما أسماه الغرب الليالي العربية، عندما نقل إلى لغاته ترجمة ألف ليلة وليلة بكل ما فيها من حكايات يختلط فيها الإنس والجان والحيوانات الخيالية مثل العنقاء بكثير من الأجواء الرومانسية، وبطولات سندباد.
الشيء الذي يلفت الانتباه هنا، وهو ما يخص موضوعنا هنا، أن عائشة قنديشة التي أخذت أجمل ما عند نساء الأرض من عطاء، فقدمته لزوجها الإنسي. غير أن الأمر بدا غير مقنع للزوج الإنسي، فهو في إبهاره جعله يكتشف أنه مختلف عن الآخرين المحيطين به، إذ أن زوجته لم تكن تتشاجر معه، وكانت تنفذ ما يتمناه بمجرد أن يخطر على باله.
هنا انتهت مرحلة من المراحل، لتبدأ مرحلة أخرى يغوص من خلالها الرجل ـ بعد إنفصاله عن عائشة قنديشة ـ تجربتي زواج من سيدتين أولاهما زميلته الأمريكية في الجامعة، والثانية قريبته التي أوصى والده أن يتزوجها. كانت تجربة زواجه من قريبته مليئة بالمرارة، إذ لم تتأقلم قريبته مع واقع حياتها إلى جوار زوجها الطالب في أمريكا. ولم تتوفر علاقة طبيعية بينه وبين زوجته الأمريكية بسبب اختلاف الرؤى والثقافة التي جعلت الزواج يتأرجح وينتهي دون أي مشكلات.
تفاصيل كثيرة، تفضي إلى تأكيد أن كل العوالم، تمارس التجربة حتى تصل إلى الأمثل. ولعل الأمثل هو الشيء الذي أوحى به إلينا الكاتب عقب زواجه من المغربية غزلان، وهي قريبة فاطمة الزهراء، بل ربما هي عائشة قنديشة مرة أخرى، بعد أن انفصلا للمرة الثانية في أعقاب تسللها إلى جسده واستقرارها فيه إمعانا في العشق الذي كاد أن يودي في حياته لولا أن أنقذه شيخ يقيم بالقرب من مراكش.
أضفت أجواء المغرب، الكثير من التشويق للحكاية، وأعادت الحوارات والمعلومات التي تتعلق بالسحر والشعوذة وعلوم ما وراء الطبيعة. لكنها حملت حتما صورة ساحرة عن مغربيات لا يتعاطين السحر، فالمرأة المغربية إذا عشقت ـ وفقا لحكاية الجنية ـ لا تماثلها أي امرأة أخرى.
هنا ننتقل إلى المخيال الشعبي الذي ساد لفترة عن ذلك السحر، الذي جعل أشخاصا عديدين في الخليج مع سيادة ثقافة السفر، يرتهنون لهذه العذوبة، ويعودون وهم يتأبطون في أذرعتهم زوجات مغربيات. ولعل الشيء الطريف، أن الزواج من الأجنبيات، لا يخضع لنسبة السعودة التي يطبقها الدكتور غازي القصيبي بمنتهى الحزم والصرامة في وزارة العمل، بل هي تخضع لقرار وزارة الداخلية، وأحيانا يصدف أن يبادر الرجال إلى هذه المغامرة حتى قبل الحصول إلى إذن، الأمر الذي يعرضهم لعقوبات يتحملونها. أتراه بفعل السحر الحلال أم لأمر آخر؟!!
نص الجنية، باعتمادة تقنية الإحالة للمراجع في بعض الأحيان، يجعلك تدلف مع الكاتب في مغامرة البحث والتفتيش عن الحقيقي وغير الحقيقي في الأمر. مع عدم إغفال مسألة التسلية والتشويق، وهو الأمر الذي يؤكد المؤلف أنه دافعه للكتابة.
وبينما تعاني نساء كثيرات في الخليج والعالم العربي من العنوسة، نجد أن فكرة البحث عن ملاذ من شواطئ أبعد، تتحول في بعض الأحيان إلى أمر واقع. رغم كل الإغراءات التي تضعها دول الخليج لمصلحة المواطنات، سواء من خلال تضييق هذا الأمر نوعا ما، أو من خلال منح حوافز مادية ـ كما هو الحال في الإمارات ـ للشباب الذين يرغبون في الزواج من مواطنات.
يأتي هذا وسط سلسلة من الإحصاءات التي تؤكد أن الخليجيات بدأن يأخذن خطوات أوسع في عوالم عمليات التجميل، وفي وقت ذاته أكدت الإحصائيات أيضا أنهن الأكثر اهتماما بالعطور والمجوهرات.
لا تنسو أنني أكتب هنا، وأن أستحضر رؤية الدكتور عبد الله الغذامي في مسألة النقد الثقافي، وبالتالي من المؤكد أن المؤلف لم يقل هذا، وإنما أنا قولبت الفكرة بهذا الشكل، وبالتأكيد أنتم ستفهمون ما كتبته بشكل مغاير أيضا!

نشرت في مجلة أهلا وسهلا ، عدد يوليو 2007 

الثلاثاء، 26 يوليو 2011

الحروب المجانية : هل يتجه العالم إلى شفير الهاوية؟

الحلم بعالم يتساكن بسلام، يبدو أنه مثالي، وبعيد المنال. لكنه يبقى حلما مشروعا. إن طغيان كفة الحقد والحسد والبغضاء، في مقابل المحبة والسلام والوئام، مسألة تستفز أصحاب النفوس السوية. إن النظر إلى واقع الناس أفرادا وجماعات ودول، يتطلب سعيا من أجل إعادة ممارسة فن الممكن، بهدف إشاعة المفاهيم والأفكار السامية.
ليس المطلوب منا كبشر، أن نؤسس ليوتيبيا خيالية. 
المطلوب فقط أن نعلي من القيم الإنسانية الطيبة.
المطلوب أن نرفع من قدر الفعل الإنساني.
المطلوب أن نكون ـ على الأقل ـ أقل عنصرية وصلفا مع الإنسان الآخر.
المطلوب أن نجعل الدين، عامل جمع لا فرقة، بين أطياف الدين الواحد، وفئات الأديان الأخرى.
هذه المطالب المحدودة، تواجهها أحيانا أفكار شريرة، وشديدة الشراسة، تجعل هذه المطالب ـ ذات الصبغة السامية ـ تبدو وكأنها غريبة، أو بعيدة عن التطبيق. 
إن التطرف الذي شهدناه في مذبحة النرويج، كان مصدره الغلو المفرط في التدين، من مسيحي متطرف. هذا الفعل له روافد لدى أديان أخرى، فالتطرف الهندوسي له صولات، والتطرف الإسلامي له جولات. إذن لا بد من لجم "بغل" التطرف، الذي يزيد من الأحقاد بين الطيف الإنساني في مختلف أصقاع الأرض. هذه الخطوة من شأنها أن تؤسس لمجتمعات، تمارس كل فئة دينها، دون أن تتدخل في الأديان الأخرى. 
إن السياسة التي تصوغ خطوات البشر وفقا لأجندات قد لا تكون سوية، تهدد عالمنا بمزيد من الإنهيارات، التي تظهر من خلال اختلالات اقتصادية واجتماعية وتربوية، لكن بعض المجتمعات في مساعيها من أجل الخروج من مأزقها، تشيع الفوضى في العالم، من أجل معالجة مشكلاتها الطارئة.
ينسى العالم تلك المشكلات، لينشغل في ترميم التداعيات المتلاحقة، سواء كانت هذه التداعيات على هيئة حركات تطرف وعنف، أو في أشكال أخرى قد يصعب تفسيرها في معزل عن إيقاعات الإقتصاد والهموم العالمية الأخرى. 

الخميس، 26 مايو 2011

زلة قلم جهاد الخازن


مقالة جهاد الخازن المنشورة في 23/5/2011



جهاد الخازن صحفي محترف وكاتب معروف، أتفق مع بعض طروحاته، وهو عنده قدرة على أن يمسك العصا من المنتصف بحيث لا يغضب هذا ولا ذاك. لكنه في مقالة نشرها في 23/5/2011 بدا مختلفا، وأثار غضب كثرين، ولم يجد حتى محبيه مبررا له، إذ يقول: (نحن في السنة الهجرية 1432، وهذا تاريخ لا يضم سوى سنتين يستطيع المسلم أن يفاخر بهما هما خلافة أبي بكر الصديق).
هذا الطرح فيه جور كبير على تاريخنا سواء خلال فترة الخلافة الراشدة أو ما تلاها من فترات شهدت انتصارات وانكسارات لكنها لا تعني أبدا إطلاق الكلام بهذا التعميم الذي يختزل التاريخ الإسلامي في حقبة أبو بكر الصديق رضي الله عنه. ناهيك عن التطاول على من تلا أبو بكر من الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، وهي منطقة يبدو التجاوز فيها مدعاة للخطأ والخلل والتفسير والتأويل الذي يضع قارئ الصورة في منطقة اللا حياد.
وقد تعفف كثير من المؤرخين الأوائل عن الدخول في هذه الورطة، لأنه لا يوجد لها إيجابية واحدة، بينما هي تنطوي على سلبيات عدة ليس أولها الإرتهان إلى القراءات المتجنية ولا الإبتسار المخل، حتى لو كان الحديث في معرض التأكيد على تهافت فكرة الغلاة الذين يطالبون بإعادة ما يسمى بالخلافة الإسلامية. إذ من السهل على العقلاء أن يدركوا أن الخلافة شهدت على مر السنين مراحل مد وجزر، حتى انتهت بسقوط ما كان يعرف بالرجل المريض المتمثل في الدولة العثمانية التي كانت تحكم جزأ واسعا من العالم الإسلامي من خلال الأستانة. وبعدها وجدت كل دولة الصيغة التي تتناسب مع ظروفها، وهو سلوك كان معمول فالأندلسيون كانو يديرون أنفسهم بعيدا عن نفوذ الخلافة الإسلامية وكذلك الأمر بالنسبة لسواهم من الدول والممالك.
كل هذه الأفكار البدهية، لا تتطلب حتما أن يتبرع جهاد الخازن بإلغاء التاريخ الإسلامي ويقصره على الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فهذا التنطع لا يشبهه إلا تنطع غلاة الإرهابيين الذين يريدون إعادة إحياء فكرة الخلافة الإسلامية.
 لقد كانت السياسة الشرعية الإسلامية وما تزال تتمتع بالمرونة التي تجعلها قادرة على استيعاب فكرة الدولة المدنية والاستفادة منها، وهذا الأمر لا يتطلب أن يبادر جهاد الخازن لإلغاء كل شخوص التاريخ كي يقول لنا إن زمن الخلافة انتهى، فالكل يعرف هذه المعلومة البدهية، ولا يحتاج لمن يصدمه في تاريخه من خلال إيراد وقائع لا تتعدى أن تكون زلة قلم.    

الثلاثاء، 17 مايو 2011

بين "التوزير" و"التزوير" حرف تاه طريقه ... ورجل دخل جنته فقال: أنا أعز منكم





هو عنوان طويل، وهو أيضا فصل من سيرة تتكرر منذ آلاف السنين، فلا تحاول أن تفتش فيه عن جديد.

إنها سيرة الناس في غالب أوضاعهم.

أراد أن يكتب "توزير" فكتبها "تزوير".

في كل مرة حاول أن يعيد كتابتها، تأتي بنفس الصيغة الخاطئة. كانت صور الناس تتلاحق في ذهنه، وكانت تصريحات الوزير، تعكس "تزويرا" للوعي، يقول: حاسبوني بعد أربع سنوات.

مرت السنوات الأربع.

انتقل إلى منصب آخر، وقال: حاسبوني بعد أربع سنوات.

"تزوير" من أجل الـ "توزير".

وفي كل مناسبة تكتشف فيها أن "التزوير" هو المحرك لكل الأشياء.

في واجهة أخرى، بعيدة عن "التوزير" ولكنها ذات علاقة بـ "التزوير"، قال الشخص خطبة عصماء، أكد من خلالها أنه يؤمن بـ "التدوير". وأنه لا يقتنع بأن يبقى شخص في مكانه أكثر من خمسة أعوام.

لكن حتى الكلام عن هذا "التدوير" كان مجرد "تزوير".

كثيرون يمتشقون أقلامهم، أو يرتجلون خطبا عصماء من على المنابر، ويمارسون كلاما جميلا، لكن هذا الكلام، ليس سوى طبقة شفافة تسهم في زيادة عتمة الجوانب البشعة من الداخل البشع لهذا الإنسان أو ذاك.

في زمن ما، يقع المسؤول في فخ ورم الذات، فيبدأ العمل التحتي، الذي يمارس من خلاله الضغط، من أجل "تعويم" الحقائق، عبر الشرهات غير المنظورة، فيحشد من خلفه مجموعة من المستشارين، الذين لا تتم استشارتهم بشيء، بل يتم توجيههم بأن يقولوا للناس إن هذا الشخص أصبح ملهما وصار ضرورة، وعنده ينتهي العلم والمجد، ومن غيره سوف تغمر الحياة الظلمة والغبار.

تزوير وتدوير وتعويم... سرعان ما يتلاشى بمجرد مغادرة الشخص للمنصب.

إنها قصة تتكرر في كل مكان وزمان.

لا تبتعد كثيرا، أنظر حولك، سترى أحدهم قريب منك، تأمل وجهه وواقعه وأنت تقرأ هذه العبارات.

ليس شرطا أن يكون وزيرا أو مسؤلا كبيرا. الكل يمارس تزويرا على طريقته الخاصة، أحيانا يعطي هذا التزوير بيضة ذهبية، وفي كثير من الأحيان لا يمنح إلا خزيا ونكدا وسوء طوية.

وحتى تتكامل الصورة بثرائها، لا بد أن تلتفت يمنة ويسرة، لتجد مهرجا يمارس تبديل الأقنعة، لأنه قرر أن يكون : رجل كل العصور.

هذا الرجل، أنت تراه من الخارج كبيرا، لكنه، عندما تتأمل قليلا: ستجده مجرد قزم صغير، يتم ركل مؤخرته في كل ساعة، وهو بعد أن يفيق، ينسى تلك الركلة، ويعاود الإلحاح والقول: أنا أعز منكم.

لكن الصدى في داخله يرد عليه: كاذب.

وتأتي ردود أفعاله على نفسه قاتلة، فيركض هاربا من ذاته إلى ذاته.

ومع ذلك، تبقى الصورة جميلة مؤقتا، ... فنحن في الزمن الذي وصلت فيه عمليات التجميل إلى كل عضو في الجسد الإنساني، وأصبح التزوير يطال المشاعر، فتشهد الوجوه مبتسمة، رغم لا تبتسم. وترى القلوب مبتهجة، رغم أنها تضمر الغل والغدر.

حتى الصلاة، التي تنهى عن فاحش القول ومنكر الفعل، لا تردع الناس عن مثل هذا التزوير.

الغريب أن يسأل إنسان، عندما تنفجر الأوضاع: لماذا حصل ما حصل؟

هذا السؤال الذي تكرر منذ مطلع 2011 مرات عديدة، وبصوت مرتفع. ليس جديدا.

الحقيقة أنه أحد الأسئلة السرمدية، التي تأتي لتمثل عبارة مكرورة، قبل أن يتم إسدال الستارة على المسرحية البشرية المكرورة. في الصورة، سوف ترى زنديقا وعابدا تتزين جبهته بزبيبة مسجد وصلاة. في ذات المشهد سوف تجد أنهما رغم اختلافهما، إلا أنهما يتفقان في شيء واحد: الكراهية والجبروت.

عندما يغيبان، لا تشعر بطمأنينة كبيرة، هما غادرا، وسوف يعودان بقناعين آخرين وباسمين مختلفين.

إنها الحياة يا صديق. فلا تسرف على نفسك، وابتسم.

الأربعاء، 11 مايو 2011

شويخ من أرض مكناس يجدد حلم تلاقي الأطراف




من عمان إلى الرباط، عاد حلم تلاقي الأطراف بين الخليج والمحيط، ليعكس حلم العناق. لكن الأمر يبدو محض حلم، لم يحظ شعبيا سوى بالتندر. الواقع أن العرب بعد تجارب الوحدات الإندماجية التي خاضها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر مع سوريا، والتجارب المتعددة التي خاضها الرئيس الليبي معمر القذافي مع أكثر من بلد، صاروا ينظرون للمسألة بنوع من التوجس. لكن الجديد أن المبادرة هذه المرة خليجية، وهي تأتي على خطى مسيرة تلاقي لم تتكامل مع العراق واليمن. ومنذ الإعلان عن التوجه خلال القمة التشاورية، وأنا أرصد الصدى الشعبي، من خلال تويتر. لكنني أنى يممت وجهي، سواء تجاه المتوترين الخليجيين أو الأردنيين أو المغاربة، أجد كما كبيرا من النكت التي تؤكد أن الدم العربي صار خفيفا ورشيقا. الكل يتفق على أن الحلم جميل، لكن هذا التلاقي يبدو بالنسبة للبعض مثار أسئلة لا تزال تبحث عن إجابة: هل هذه الخطوة هي مسيرة باتجاه إنشاء كيان بديل للجامعة العربية الهرمة؟ أم أنه تجمع يضم أنظمة متشابهة في الرؤى والتوجهات؟ أم أن الأمر هو تطوير بشكل أو بآخر لاتحاد اقتصادي يفتح الآفاق أمام حلم السوق العربية المشتركة الذي تم وضع بذرتها في الأرض منذ عشرات السنين لكنها أثمرت مزيدا من القوانين التي تهدد نمو الاستثمارات العربية العربية. لقد أثبتت تجربة دول الخليج في كثير من المناحي الإقتصادية أن هناك أمل. لكن ماذا سيحدث عندما تصبح دولتان أو أربع دول ضمن المنظومة، هل ستستطيع أن تنخرط في سلسلة القوانين المرنة، أم أنها ستؤدي إلى إبطاء حركة التقارب والإنجاز البطيئة أصلا.
هذه الخاطرة الأولى، تأتي على إيقاع تبادل كل الأشقاء والأصدقاء في هذه الدول للطرف والنكات التي تعكس قدرا كبيرا من الإحباط الذي يعيشه المجتمع العربي الذي تهصره البطالة والفقر والوعود المؤجلة، فلا يملك سوى أن يستحضر صوت المغني وهو يردد : شويخ من أرض مكناس ، وسط الأسواق يغني...وش علي أنا من الناس ... وش على الناس مني.
طيب الله أوقاتنا العربية.

الثلاثاء، 10 مايو 2011

ناحية القلب




ناحية القلب
هناك شيء توارى
لم أعد أراه
و... همست لنفسي:
ها أنا أتأهب لارتحال
يمنحني بعض سلوى
فأنا
عند كل طعنة
أحاول أن أبتسم
في وجه صلف اللحظة
وأقول
ثمة غد أجمل
أصوغ الأمل من حولي
وقلبي يلوذ بي
يقول لي
ناحية القلب
ها هنا وحشة
وبعض ألم
فأهمس
غدا...
غدا ستكون بخير
غدا سيكون أجمل

الثلاثاء، 3 مايو 2011

عربيا تجاوز الخطوط الحمراء يحرمك من رؤية الشمس




صادف يوم الثالث من مايو الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة. في هذا اليوم، النظرة على الأوضاع في العالم العربي تشير إلى أن الحريات تتراجع بشكل لافت.
وإذا ما غضضنا الطرف عن قناة أو أكثر تعتبر أن الحرية تتمثل في الشتم، ليس ثمة ما يغري بالحديث عن حرية مسؤولة وحقيقية. فالفضاء العربي يعج بالكثير من المنابر الإعلامية ذات اللون الواحد.
وبين قنوات اللون الأسود وقنوات اللون الأحمر وقنوات اللون الأصفر تتهادى الأفكار التي تتنازع على عقل المتلقي راغبة في حقنه بفكرة واحدة، وبعض القنوات لو امتلكت عصا لأمسكته وجربت أن تستخدمه مع كل مشاهد وهي تصرخ: ألا تفهم يا ولد؟!
حال الصحافة لم يعد بعيدا عن هذا الواقع مع الأسف، والرقابة اللصيقة للإعلام العربي ليست فقط من خلال الأنظمة والقوانين الخاصة بالنشر، بل إن الرقابة الأقسى هي رقابة تصطنعها تيارات وأحزاب تهيمن على الصورة العربية وتتحكم فيها، باعتبار أن هذه الأحزاب ورثت هذه الهيمنة من الأحزاب السابقة.
ومن هنا فلن تعدم أن تستغرب وأنت تسمع عن بلد طالب فيه الثوار بالحرية، وعندما نالوها، التفتوا إلى الإعلام وطالبو بتقييد حريته. وهي صورة ليست جديدة مع الأسف، فالإعلام كان دوما هو (المركوب) الذي تستخدمه الأيديولوجيات لتحقيق مآربها، ثم تأتي لحظة الحقيقة ليكون هو الذبيحة الأولى التي يجري تقديمها على المذبح.
حدث هذا الأمر في الإتحاد السوفيتي، وحصل في كل الدول التي سارت في فلكه، ويحدث في مختلف بلدان العربي بلا استثناء.
وفي بلد أو أكثر توجد فيه مدينة إعلامية، يحق لكل وسائل الإعلام التي تستضيفها مدينته أن تتحدث عن أي شيء إلا عن البلد التي يستضيف هذه القناة. وأي خروج عن هذا النص، مدعاة للتضييق على هذه القناة أو تلك، وأحيانا سحب الترخيص منها.
لقد انصاعت قنوات عربية في تلك المدن الإعلامية لاشتراطات اللعبة، فأغمضت عينيها كثيرا عن الأزمات التي يشهدها هذا البلد، وسلت سكاكينها على بلدان أخرى.
هذه الصورة موجودة في أكثر من بلد عربي مع الأسف. الحرية تتوقف عندما تفتح عينيها على واقع هذا البلد أو ذاك.
 لهذا السبب يسهل كثيرا التشكيك في مصداقية هذه القناة أو تلك. والأمر نفسه ينسحب على الصحف والمجلات.
المنبر الوحيد الذي يتمتع بمساحة أفضل هو التدوين. وحتى هذا المنبر، يعاني من يمارسه من فوبيا تجاوز الخطوط الحمراء التي ستنقله إلى ما خلف الشمس. 

الأحد، 1 مايو 2011

غاب أسامة بن لادن : هل تنشط عناقيد القاعدة؟



أسدل الرئيس الأمريكي باراك أوباما الستار على قصة أشهر مطارد في العالم: أسامة بن لادن. صور كثيرة مدهشة لقصة حافلة بآلام أبرياء لقوا مصرعهم نتيجة فكر القاعدة الذي استشرى في العالم.
أمريكيون يحتفلون بمقتل أسامة بن لادن
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، تباينت الرؤى والتصورات حول الرجل. مسلمون رأوا في هذا الأمر انتصارا، لكن آخرين كانوا يستشرفون الصورة الأسوأ التي تحققت فيما بعد، فقد أفضى إرهاب القاعدة وعناقيدها، إلى تشويه صورة الإسلام وتحويل المسلمين إلى موضع اشتباه وارتياب.
لم يتوقف إرهاب القاعدة عند غير المسلمين، فقد اكتوى بنيرانهم مسلمون في أكثر من بلد عربي، من بينها السعودية التي كانت مسقط رأس أسامة بن لادن.
من المؤكد أن أسامة بن لادن، مثله مثل بقية الأفغان العرب، وجد في أفغانستان تربة خصبة، أعطته فرصة لتأصيل فكر الغلو والتطرف.
لقد بدت عملية تصنيع الأفغان العرب، تحت السيطرة بالنسبة لعدد من القوى الإستخبارية الدولية والإقليمية، لكن خروج السوفيات من أفغانسان، أبقى إشكالية الأفغان العرب، الذي تشكل فكرهم من جديد في أفغانستان، وصاروا غرباء عن الفكر الإسلامي وفكر بلدانهم.
هذه الغربة جعلت الأمر يأخذ بعدا مخيفا، فأفغانستان صارت نافذة لتمدد عناقيد القاعدة شمالا وجنوبا، وشرقا وغربا.
ولعل خروج القاعدة من السيطرة، أفضى في النهاية إلى سلسلة من العمليات الإرهابية والإنتحارية، التي توجتها القاعدة بأحداث 11 سبتمبر 2001.
موت أسامة جعل الكل يسأل: وماذا بعد؟
هناك من يتخوف من عناقيد القاعدة. وتمدداتها التي تنتشر هنا وهناك. هل ينتهي تنظيم القاعدة؟ لا يمكن الجزم بذلك. فأسامة بن لادن قبل مقتله، وأيمن الظواهري حاليا كانوا أقرب إلى التنظير من الفعل التنفيذي.
لقد سئم العالم وضمنهم المسلمين، من خيارات العنف التي أشغلته طويلا، سواء كان هذا العنف يساريا أو نازيا أو إسلامويا.
العالم يتهيأ لبدء حقبة طويلة، وعينه حاليا تتركز على عناقيد القاعدة، التي ربما تترجم غضبها لغياب قائدها، من خلال عمليات نشطة تتخذ من بعض الكيانات القلقة ـ اليمن ومصر وليبيا مثلا ـ منصات انطلاق مؤثرة.




الاثنين، 25 أبريل 2011

الأحرار ينافقون أيضا


 ما أن تطرح رأيك في أي أمر، حتى يتأهب من يعارضك لتسفيه هذا الرأي واتهامك بكل سوء.
 الخلاف في الآراء عربيا  صار يعني العداء وليس الحوار.
بعد أن انطلقت الفضائيات العربية، تأسست تلك الحواريات التي تكرس للسقوط الكلامي والفكري، وبالتالي كان علينا أن نشهد في هذه القناة رجلا يصفع الآخر، وأن نرى في قناة أخرى الأمر يتحول من حوار إلى حلبة للملاكمة.
هذا الفعل العبثي أصبح مثار تندر بين الناس، ويتناقل الصغار والكبار مقاطع على اليوتيوب، تعكس إلى أي مستوى يمكن أن ينحدر الحوار الفضائي الحر.
لكن السؤال هو: كيف استيقظ فجأة مثل هذا الإنفلات، حتى أصبحنا نشهد الملاسنات التي تدخل في قائمة المحضور من السباب واللعنات التي تكال لأم هذا ولأبي ذاك، دون أن يرف جفن لأي هيئة إعلامية مدنية توجه اللوم الخطابي على الأٌل للقناة التي تتجاوز.  
ولعل تعليق البعض على مثل هذه المقاطع، بالقول إن هذه شوارع ودكاكين لم يبتعد كثيرا عن الحقيقة.
لقد أسست قناة الجزيرة تحديدا لثقافة التعبير السوقي والشوارعي، الذي يتبادله نخب ثقافية وسياسية بشكل يعكس صورة ممجوجة للشخصية العامة التي يترقبها المتلقي متوقعا منها أن تعطيه رؤى وتصورات وأفكار جديدة، فإذا بها تهبط إلى مستوى ينأى كل من يحترم نفسه عن الوصول إليه.
ومن المثير للسخرية، أن يتحاور شخصين في التاريخ، فيتحولا إلى كتلتين من الغضب، كل واحدة تحاول أن تنتصر لرأيها، وفي نهاية الحلقة يمسح كل منهما عرق جبينه، ويصافحهما المذيع في مشهد يجسد قمة السخرية لتنتهي الحلقة على طريقة فيصل القاسم: أشكركما ..أشكركما لم يبق عندي وقت.
إن سطوة قنوات التهييج الإعلامي على النخب، جعلت بعضهم يتمرغون في النفاق، وهم الذين يوهمون أنفسهم قبل الآخرين أنهم أحرارا.
 لكن الحرية إذا كانت مغموسة بالشتائم وتزييف العقول، يمكن إطلاق أي إسم عليها، لكنها ليست حرية. ولا يمكن الحديث بمواربة عن هذا الأمر لمجرد الحرص على الإطلالة على المشاهدين، أو المشاركة في مؤتمر تنظمه هذه القناة أو تلك تارة عن الديموقراطية وأخرى عن الأفلام التسجيلية. 

الخميس، 21 أبريل 2011

بين الأحذية والأقدم







''إنك لرجل غريب ، يحمّل حذاءه أخطاء قدميه'' هذه العبارة التي انتزعتها من مسرحية (في انتظار جودو) لصمويل بيكيت.
تضيء صورا كثيرة، صحيح أنها صور عابرة، لكنها صادقة. ما أكثر ما نجد أنفسنا نضع ألف مبرر ومبرر للفشل، لكننا غالبا نستبعد السبب الحقيقي، وأحيانا نميل إلى أن نكتفي بالنظر إلى قميص يوسف المصبوغ بدم الشاة. 
هذا الأمر أيسر من إجهاد النفس ومواجهة الحقيقة.مثلا : نحن نتحدث عن مشكلة الوعي، والافتقار إليه، ومشكلة احترام الأنظمة، بل مشكلة تنفيذ بعض الأنظمة والقوانين. لكننا دوما نفتش عن متهم سوانا. نشتم من يخالف أنظمة السير في الطريق، ولكننا نخالف. نطالب الآخرين بأن يكونوا متحضرين ويقفون في الطابور أمام كاونتر الجوازات أو الخطوط السعودية ولكننا نبيح لأنفسنا ألا نلتزم. ندعو إلى عفة اليد والنفس واللسان، وكثيرا ما نقوم بتعطيل هذه الكلمات البسيطة عندما يتعلق الأمر بنا باعتبار أن ''الله غفور رحيم''. هذه المعضلة الأزلية لا علاج لها إلا من الداخل. الأنظمة والتشريعات هي أدوات. لكن الضابط الحقيقي في الداخل. هنا تظهر عبقرية لفظة ''النفاق'' التي تختصر معضلة البشرية ـ ليس في الدين فحسب بل في كل المعاملات،... إنها تعيدك إلى تلك الصيغة العبثية الغريبة: تحميل الأحذية أخطاء الأقدام. ابدأ بنفسك كي يتغير من حولك.

الاثنين، 18 أبريل 2011

نصوص في البكاء و...أشياء أخرى


نخلة صغيرة *



أشتاق
فـ ألثم الصورة
و... ألتمس السلوى
لـ قلبي الموجوع


أراك في ضحكة طفل

لا يعلم أنه منذور للسماء



أنا يا حبيبتي

أضحك في وجوه الناس
وقلبي يئن 
لأنه لا يعرف 
أن أوان الرحيل
عنوانه : لا إياب
غياب..يتلوه غياب
فـ ألثم الصورة



ولا أحكي لهم عنك

فهم مشغولون 
هم طيبون يا صغيرتي
لكنهم لم يعرفوك مثلي
وإن لامسوا حزني
يقولون : غدا ينسى
ولا أنسى



يغيب عام

ولا أنسى
يطل عام
ولا أنسى



وهم طيبون

طيبون
يقولون : ألا تنسى؟!!
فـ أحلم أنك معي
أعيشك ضحكة دائمة
أراها 
ولا أرى قاتلك المجنون
لأنني
لا أرى سوى موتك
وأصبر..
لأجلك
ولا أصفح
لا أقدر
رغم أنني 
غسلت روحي
بسماحة "طاغور"
وملأت قلبي
بصبر أيوب
ولم أقدر
ولن أقدر
فـ ألثم الصورة
وأبحث عن السلوى




*لذكرى مرور عام على رحيل ابنتي لينا يرحمها الله، في اللغة: لينه النخلة الصغيرة، الطرية،... السريعة الإنكسار. لو علمت ـ حينها ـ أن هذا هو المعنى لتحاشيت اختيار هذا الاسم.


حبيبتي الأثيرة





حبيبتي الأثيرة
هذا المستحيل
يحدق بي


أنا لن أراك هنا

أو هناك
في غرفتك
في الصالة

لن أجلس إلى جوارك
أشاهد أفلام الكارتون
أو ألعب معك
وأفرح بهزيمتك لي


لن نتفاوض في الشتاء
عن آيسكريم "باسكن روبنز"
ولا عصفورتك الصغيرة
التي أخافك موتها كثيرا

لن نشاهد "هاري بوتر"
ولن نتقاسم وجبة الأطفال
فتحصلين على اللعبة
ولن تختاري لي أشيائي
ولن تأخذي مني نقودا
لتفاجئيني بهديه
كنت كبيره
كنت أثيره

ولا عن حكاية المساء: 
تعلمت أن أحكي لك
وأحيانا تطلبين المزيد
فأستدعي كل خيالاتي
أصوغ قصة تلو قصة
كنت غالبا 
تعيشين داخل الحكاية
تارة على شكل وردة
وتارة طفلة كما أنت
وأحيانا
أصوغك حلما 

ظننت أنني بمنأى 
عن فجيعة فقدك
ولم أكن أعلم
ولا أحد يعلم:
نحن يا أثيرتي
أوراق شجرة
خريفها لا موعد له
وما كنت أعلم
أن بعض الخريف
يحلّ في الربيع




اليوم
هزائمي لم تعد تعنيني
لا تفرحني
ولا تحزنني
وخيبات هذه الحياة
لا تعدلها خيبة غيابك
وكل شيء صار هباء
لا شيء يعوضني
عن بهجة
كان سرها : أنت

يقول صاحبي
غدك رغد
وتشرق ابتسامتي
أراها أراك
ويستطيل جرحي
ويهمس:
ما نفع البكاء؟
ولا أدري
أأبكي على حلمي،...
فجلّ أحلامي
ضحكت لها
وهي تغدو يباب!

أنا لم أعد أنا
فنصف قلبي ثوى
حملته على كتفي
وضعته في الثرى
أهلت التراب عليه
وما بقي 
سوف نصف قلب
يغترف الحزن
ولا يرتوي
يصيح بصمت
ويهذي:
يضيع في الأبجدية
لا شعر
لا نثر
بل محض : أنين


توق

لن يعلم أحد
أن التوق لا ينطفئ
لا أحد
لديه رغبة
في معرفة هذا

صاحبي
الذي يحبني في البعد
ويكرهني في القرب
لا يعرف أنني
لم أعد أتقن التوق
لشيء

ما عاد يغريني
أن أناكف خوفه
ولا عاد يغضبني
أنه يكذب علي دوما

أنا قررت أن أستريح
من الغضب
من التعب
من التوق
من العتب

ليتني أستطيع
أن أصوغ لك أغنية
تجعلك تنام
كي تستريح
أشعر أنك تحترق


أحاول أن أستجيب


حتما
هو حزن ورضى
يعتريني
فألتحف فضاء شاسعا
وأحتمل الصمت
فلا صوت أجمل
من الصمت
ولا لفظ أبسط من :
أحبك يا صغيرتي

هناك
حيث لا أحد
ولا صدى
تجيئين
تتأملين جلستي
تكادين تسألين
ولكن صوتك يغيب
أجيبك؟
لا أدري كيف أجيبك؟
ولكنني أهمس:
نعم

أحاول أن أستجيب
كل هذا الحب
لم يغب عني
أبتسم
أتكلم
أتعلم أن أعيشك
حتى وأنا مشغول معهم
تجلجل ضحكتك
فتغسل تعبي
وأستريح


ضوء
يا كل الضوء
والطهر
والفرح
والأمان
يا نور البيت

يا صوتي
ونبضي
وضحكي
ولعبي
وحناني
يا ابتسامتي الفارهه

ما زلت
لا أصدق
لا أريد أن أصدق
وأحسك معي
عيناك تتابعني
ترعاني
تهتف بي:
لا تتأخر
تهتف بي:
أنا أحبك أكثر
تهتف بي:
أنظر
رسمت صورتك
هل تعجبك؟

روحك لا تتقن
غير الحب
أميل على كراستك
الألوان الفاتحة
تعكس بياضا
لم يكن يدهشني

يا كل الضوء
ما زلت أحكيك
باسما
لأنك تحبينني هكذا

ما زال صوتك حيا
وأنت تحرضينني
أكتب لي
في "الأوتوجراف"
وأتردد
فلا أحد هناك
غير زميلاتك
ومعلماتك
"هذا لا يصلح"
لماذا
هذا دفتري أنا
أكتب " يا بابا"
وكتبت
عنك
وعني
وعنا
رضي الله عنك
برضاي
وسروري
كلما تملكتني الوحشة
فاستحضرت صورتك
لأتقوى بها
رضي الله عنك
بدعاء كل مسكين
كنت تستوقفينني
لأجله
وتمنحيه من مصروفك الضئيل