الخميس، 13 نوفمبر 2014

تراثنا العمراني

في فيلم يستغرق نحو 42 دقيقة، أنتجته الهيئة العامة للسياحة والآثار بالتعاون مع مؤسسة التراث، ثمة رصد لبعض جهود الحفاظ على التراث العمراني في مناطق المملكة. عرض الفيلم لقطات من جدة التاريخية، الهفوف، الغاط، والدرعية. الفيلم الذي يحمل اسم "رواد التراث العمراني" أعطى نماذج عديدة مثل قصر سلوى وحي الطريف في الدرعية، وقصر الغاط، والقرية التراثية في أشيقر، وبيت نصيف ومواقع أخرى في جدة التاريخية، وقصر إبراهيم، ومسجد الجبري والمدرسة الأميرية في الهفوف...إلخ. يكشف الفيلم أن أمانات المناطق ضخت في 2012م نحو 800 مليون ريال للعناية بالتراث العمراني. هذه تعد نقطة تحول مؤسسي تحققت بتحفيز وتعاون بين الهيئة العامة للسياحة والآثار وشركائها، وأدى ذلك إلى توجه البلديات لإنشاء أقسام للعناية بالتراث العمراني. ينظر الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار إلى تكريم رواد التراث العمراني من خلال مؤسسة التراث، باعتبار أن مواقع التراث العمراني ليست مجرد مبان، إذ هي تروي قصصا للأماكن، وتقدم منظومة للقيم التي حملها الأجداد، وهذه القيم هي التي صاغت الصورة المميزة لوحدة هذه البلاد. ويأمل الأمير سلطان أن يكون هؤلاء الرواد قدوة للأجيال الجديدة. الفيلم يرصد تطورا شاملا يضيء الصورة، ويشيع الفرح في نفوس المتحمسين للعناية بالتراث العمراني. هناك حاجة إلى زيادة الوعي بأهمية التراث العمراني، هذا الأمر بدأت ملامحه تتشكل. لكن علينا الاعتراف بأن إقبال الناس على زيارة المتاحف والأماكن التراثية لا يزال أقل من المأمول. إثراء الوعي مهمة مشتركة، ومؤسسات التربية والإعلام شركاء أساسيون فيها.

رابط الفيلم للمشاهدة  : www.youtube.com/watch?v=UuqDhj4-Tjc

الأحد، 2 نوفمبر 2014

المخدرات الرقمية

تسمع موسيقى معينة، فتتملكك الرغبة في تناول نوع من الطعام: هامبرجر، بروست... إلخ. تدخل إلى محل، فتتسرب إلى أنفك روائح تحفزك على سلوك شرائي معين. كل هذه التفاصيل، يتم تطبيقها وتأتي ردود الأفعال عليها بطريقة لا شعورية. وهناك حديث لا ينتهي عن موسيقى صاخبة تبعث رسائل خفية تحرض وتحفز على القتل. 

أخيرا بدأت الشكوى تتزايد عربيا من تأثيرات المخدرات الرقمية. والمخدرات الرقمية عبارة عن ملفات موسيقى يتم تسويقها من خلال الإنترنت، وهذه الملفات تعطي من يخضع لها إحساسا شبيها بإحساس من يتعاطى المخدرات. ولا يحتاج الأمر سوى سماعة في الأذن وتعليمات أخرى مصاحبة للدخول في نفق المخدرات الإلكترونية. 

والحقيقة أن الفديوهات التي ترصد حالات من يتعاطون هذه الآفات سمعيا، تعكس خطورة تسلل مثل هذه الممارسات إلى العالم العربي. والتحدي يبدو كبيرا أمام مؤسسات التربية وأمام المجتمع والأسرة. فالأجهزة الذكية نعمة قد تتحول إلى نقمة. ولا يمكن لأي إنسان الزعم أن بإمكانه إحكام الرقابة على المحتويات التي يتلقاها النشء. 

من المؤسف أن تجد منتديات محلية على الإنترنت تروج لمثل هذه المخدرات، وتحفز البعض على تجربتها، في ظل جهل كثيرين بهذا الداء الذي يتسلل بصمت. 

وأظن أن الإجراء الذي تم الإعلان عنه من قبل اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات، بوجود تنسيق بين الإدارة العامة لمكافحة المخدرات وهيئة الاتصالات لمواجهة هذه الظاهرة. 

لكن من المهم أن يكون هناك وضوح في التعاطي مع المسألة ورسائل إعلامية وتربوية واضحة، تحذر الجيل الجديد من التعرض لمثل هذه المخاطر. 

إن هذا الأمر مهم. فالوقت لم يعد يعترف بالصمت حتى لا يتأثر البعض بالتوعية بشكل مضاد. فهذا الكلام - رغم وجاهته - تضعفه أسوار العولمة المفتوحة.

الخميس، 30 أكتوبر 2014

سفاري دبي

دبي غدت واحدة من الوجهات القريبة التي يختارها السائح الخليجي، كما يختار البعض أبها أو صلالة وسواهما في الصيف. والحق أن هذه وجهات تستحق أن تتجه إليها بوصلة السائح. كل مكان من هذه الأماكن له مزاياه، وله أحيانا عيوب تتفاوت من مكان إلى آخر.
في آخر زيارة شخصية إلى دبي، طلبت من الفندق الذي أسكن فيه، أن يحجز لي فيما يسمى Desert Safari Dubai أو سفاري دبي. وهي عبارة عن رحلة وسط الرمال، تستغرق نحو ثلاث ساعات، تأخذ شكل المغامرة من خلال "التطعيس" ثم تنتهي باستراحة يمكنك من خلالها ركوب الجمال والتصوير، وبعدها تناول العشاء مع عروض فنية.
اللافت أن سفاري دبي لا يقدم للسائح الشخصية التراثية الإماراتية، من خلال العروض المقدمة، ويبدو أن من وضع رؤيتها أراد لها أن تحاكي المخيال المستمد من ألف ليلة وليلة. وقد يكون المبرر أن غالبية من يرتادون مثل هذه العروض هم من الغربيين بالدرجة الأولى.
في المحطة التي توقفت عندها القافلة، والتي تضم محالا لبيع التحف ودورات مياه بائسة جدا وغير نظيفة، يمكنك أن تلمح غيبة عين الرقيب. لن ترى في رحلتك وجها مألوفا، فالسحنات الآسيوية هي التي تتولى كل شيء.
ولأن المشروع تجاري بعقلية غير محترفة، فلا تحاول أن تمني نفسك بوجبة عشاء حقيقية، فالطابور الطويل والتنظيم الرديء يوحي لك بأنك تقف في أحد الملاجئ كي تحصل على وجبتك الموهوبة، وعليك أن تتقبلها بمنتهى الرضا والقناعة.
سفاري دبي مختلف تماما عن ما يكتبه البعض بمنتهى الانبهار بخصوص فعاليات أخرى.
بالمناسبة : ألا نجد عندنا في السعودية مستثمرا يستفيد من تسهيلات الهيئة العامة للسياحة والآثار، من أجل تصميم وعمل بانورامي، في الصحراء، يمكنها أن تكون مزارا ثابتا للمقيمين والزائرين للمملكة للتعريف بالموروث الشعبي المحلي؟

ما دين أولئك؟



ما زلت أصر على أن هناك شيئا سيئا، لا علاقة له بالتدين، قد سلب عقول بعض الشباب في مجتمعاتنا، فتحولوا إلى أداة هدم وتشويه باسم الدين.
كان الإنسان الصالح يحظى بتقدير ومحبة الجميع. ذلك أن هذا الإنسان كان رحبا، لطيفا، بشوشا، ولم يكن يخلط عمله الصالح بأوحال المذهبية والطائفية والعنصرية.
هذا الخليط من البذاءة تراه يجتمع حاليا في الأدبيات التي تفرزها خطابات التطرف لدى تيارات التشدد والغلو من السنة والشيعة. ويدعمها في هذا العزف المنفر، فضائيات تمثل هذا الطيف أو ذاك.
كثيرة هي التصنيفات التي تم تسويقها بدأب، ولم تكن الأجيال السابقة تلتفت إليها. لكن إفرازات ما كان يسمى الصحوة في حقبة مضت، تحولت إلى ما يشبه حوصلة طائر شرير، تتشكل من خلاله صورة مشوهة للإسلام والمسلمين.
من اللافت في عدد من حوادث الإرهاب، أن الإرهابي ينتقل من تطرف إلى تطرف أشد، إذ إنه يغوص في أوحال المخدرات والضياع، ثم يغوص في أدران الغلو والتطرف.
لذلك كنت وما زلت أقول إننا بحاجة إلى سماحة شيبان المسجد في الزمن الماضي. هذا هو الدين الحقيقي، الذي ينعكس على الشخص تعاملا راقيا ومراعاة للنفوس.
التجييش والتحريش الحالي، أصبح يتسلل حتى من خلال المحادثات المتاحة في ألعاب الإنترنت.
إن خطابات الغلاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تدفعك للسؤال: ما دين أولئك القساة الغلاظ السفهاء؟! هذا الاستنكار المشروع، يستحضر دوما أن جوهر الدين عمارة روح الإنسان وبناء الأوطان.

في القراءة



هيأت وسائل التقنية الحديثة فرصا أعلى للقراءة، وأصبحت القراءة الإلكترونية تستحوذ على جزء مهم في حياتنا اليومية. أنا أجد متعة في القراءة عند كل لحظة فراغ تسنح لي. لا أقول هذا الكلام للتباهي، إذ أشعر أن هذا سلوك شائع.


حتى الشباب والفتيات، الذين يشكو البعض من كونهم لا يقرأون، وضعتهم وسائل التقنية الحديثة في محيط محفز على القراءة.

هنا يأتي دور الانتقاء والاختيار، في قراءة مواد ترتقي بالذائقة وتنمي ملكات ومهارات التفكير والإبداع.

التثقيف حاليا، لا يتم بمجرد حملك كتابا، رغم ما في هذا الأمر من جمال.

هاتفك المحمول أصبح يضم عشرات الكتب والمجلات والصحف التي يمكن أن تتصفحها بمنتهى السهولة.

القراءة فعل حياة، وهي تؤسس الإنسان وتصوغه بشكل أكثر عمقا. وهي مثل سواها من المحتويات البصرية والسمعية التي تخاطب العاطفة والعقل، تترك أثرا بشكل لا شعوري.

ما لم تحقق القراءة للإنسان الرقي والوعي، فإن العيب ليس في القراءة، ولكن في المحتوى الذي يقرأه المرء.

إن القراءة الإلكترونية، تضعك أمام مسؤولية اختيار المحتوى الذي ينسجم مع ذوقك، وهذه كانت في السابق تخضع لمؤثرات تقلل من حدة التعرض المباشر. الآن أصبحت الأمور مفتوحة، هذا يعني أن التحدي أكبر، لكن هذا التحدي هو الذي يعطي المناعة الحقيقية، ما لم يتحكم في المسألة أشرار العالم الافتراضي.

أدعو الشباب والفتيات لانتهاز هذه الآفاق الإلكترونية التي لم تكن متاحة للأجيال السابقة، من أجل صياغة وعي يؤهلهم كي يتمتعوا بالمهارات والمعارف والوعي الحقيقي، بعيدا عن ثقافة الساندويتش السطحية والهشة.

وباء اسمه الإدمان



يمكن النظر للإدمان باعتباره وباء، يعطل خلايا الدماغ، فيتحول المرء إلى شخصية أسيرة، مسلوبة الإرادة، وردود أفعالها تجاه المحيط الخارجي تتباين، وتصل إلى أقصى حالات الشذوذ الإنساني المتمثل في إيذاء الأم أو الأب أو الأشقاء والشقيقات. هذه الصورة القاتمة يجهلها كثير من أفراد المجتمع، كما أنهم يجهلون أصلا مظاهر الإدمان التي قد يعانيها الابن أو حتى الابنة. والنتيجة أن الغالبية لا يكتشف أن ابنه مدمن إلا بعد مرور أعوام، والبعض الآخر يتستر على الأمر ويحاول أن يتصالح معه، بدعاوى كثيرة يأتي في مقدمتها الخوف من العيب. لكن المسألة تستفحل لتبدأ الممارسات المرعبة التي تستهدف انتزاع المال من الأسرة بالقوة، وأحيانا سرقته أو توفيره من خلال السعي لبيع أي شيء، بكل ما تحمله عبارة "أي شيء" من شمولية.
البارحة الأولى تشرفت بدعوة كريمة من عبدالإله الشريف أمين عام اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات، بمعية كوكبة من الكتاب في الصحف المحلية. كان اللقاء فرصة سانحة لاستعراض جهود المملكة العربية السعودية من أجل التصدي لشرور المخدرات. إن آفة المخدرات أصبحت ظاهرة عالمية، والحرب الفاضلة التي تخوضها الأجهزة الأمنية حققت نجاحات لافتة، لكن هذا الأمر لا يعني أننا أصبحنا في منأى عن الاستهداف المقصود لأسباب مختلفة، بعضها في رأيي فعل عمدي من الخارج يهدف إلى تغييب عقول الأجيال الواعدة من الذكور والإناث.
إن المخيف أن تدرك أن مستشفى واحدا لمعالجة حالات الإدمان على سبيل المثال يستقبل يوميا نحو 70 حالة إدمان. هذا رقم مخيف. والأمر يتطلب مبادرات لبناء مزيد من المستشفيات التي يشارك فيها القطاع الخاص. المعلومة المخيفة، أن الإدمان كلما تأخر علاجه، يتحول إلى عاهة، وبالتالي فإن إخراج السموم من جسد المدمن، لا يعني ضمان عدم عودته للإدمان مرة أخرى. حاولوا الاقتراب من أبنائكم وبناتكم. لا تعزلوهم أبدا. الجامعات والمدارس والاستراحات قد تكون أوكارا للإدمان. الأرقام مخيفة. الدراسات مليئة بالتفاصيل المرعبة. ساندوا جهود مكافحة المخدرات، بمنع من تحبون من الوقوع في أفخاخها المشرعة.

الأحد، 1 يونيو 2014

حارس الحجر الأسود

خمس مهام يمارسها حارس الحجر الأسود، بحسب تقرير نشرته صحيفة مكة الأربعاء الماضي ونسبته إلى مصدر في قوة أمن الحرم المكي بين هذه المهام: مراقبة المتطفلين من العبث بالحجر الأسود، وتنظيم المتجمعين حول الحجر لتقبيله، ومتابعة الطواف من مكان مرتفع ...إلخ.

ولكن صورة حارس الحجر الأسود وهو يتكئ ليرتاح برهة، فتحت الأبواب لتفسيرات وتأويلات، وفتحت المجال للتطاول والأذى الذي يمتزج بين الغيرة الدينية المعتبرة، وبين الكلام لمجرد الكلام.

الحقيقة أن رجال الأمن في الحرمين الشريفين وفي الأماكن المقدسة يؤدون أعمالا جليلة، وهم يتحملون في سبيل ذلك التعب والعناء.

ووجودهم إلى جوار الكعبة المشرفة وفي مختلف أرجاء المسجد الحرام ضروري جدا، والأمر نفسه عند الحجر الأسود إذ لا غنى عن وجود رجال الأمن هناك. وتدافع الناس هناك كلنا يعرفه ويدرك مخاطره. ناهيك عن بعض التصرفات الفظة التي يمارسها بعض الطائفين.

هذا الأمر وسواه من الأمور تجعل التربص بهؤلاء الرجال وتصيد بعض أخطائهم العفوية، مسألة تحتاج إلى أناة وتمحيص.

إن تصنيع الرأي العام وتهييجه أمر يمارسه البعض باحتراف. ليس هنا مجال تشكيك بالدوافع الطيبة والحسنة لمن قام بالتعليق غاضبا، لكن في المقابل لننظر إلى الصورة بعين الرأفة والشفقة والعدل: تخيل نفسك واقفا وسط هذا البحر البشري المزدحم. إن الله غفور رحيم. وبعض البشر قلوبهم هي إلى الصخر أقرب، سامحهم الله.

هذا ليس تبريرا، ولكنه قد يكون فرصة سانحة، لإيجاد طريقة تجعل رجل الأمن يؤدي واجبه، دون أن يكون عرضة لعدسة تبحث عن السلبي فقط.

السبت، 24 مايو 2014

عزلة هاتفية



تعودت أن أتوقف عن الكلام، عندما أجد صديقا ينحني على جواله وهو يستمع إلي. أعتقد أن البعض يتحسس من صمتي، لكنني عادة أقول، إن انشغال إنسان بهاتفه وأنت تتحدث إليه من البلايا التي صارت شائعة، لكنها تظل تصرفا مستفزا.

لكنني ألاحظ أن هذا السلوك شاع بين الأبناء والأزواج والزوجات والأصدقاء. حتى وقت غير بعيد، كان المرء يتحسس من الرد على هاتفه؛ عندما يكون جالسا مع صديق إلا في حالات الضرورة القصوى.

أما الآن فإنك تجلس إلى صديق وتتحدث إليه بينما هو منهمك بحديث آخر على الواتس أب أو سواه من وسائل التواصل. لكن أسوأ ما واجهته الأسبوع الماضي، طبيب في أحد المستشفيات الخاصة، دخلت إليه في عيادته وكان يقاطعني بين وقت لآخر كي يرد على هاتفه للحديث مع أصدقائه.

عندما خرجت من العيادة، قررت ألا أعود إليه، واستغنيت عن دوائه، إذ إن انشغاله بالكلام على الهاتف والرد على الرسائل أشعرني بأن هذا الطبيب وصل إلى عيادته مرغما وليس بعيدا أن يصف لك دواء غير مناسب، فعقله كان مشتتا بين الهاتف والواتس أب.


الأحد، 18 مايو 2014

عناد الوعي



ما أكثرها دروس الأخلاق من حولنا: المشكلة أن المعلم غالبا لا يطبقها فما بالك بالمتعلم.

هذا يفسر الكثير من الأمور.

رسائل الوعي يقتلها عناد الوعي. لا أحد مثلا يجهل خطورة التهور في القيادة، لكن من النادر أن تجد من يتصالح مع هذه الحقيقة وينسجم معها في سلوكه العام.

العناد ضد ممارسة الوعي، يقابله شح شديد في الحزم والصرامة من أجل تطبيق القانون.

يتحجج البعض بالقول إن طاقة المرور لا تسمح له بوضع دوريات سيارة وراجلة في كل شارع.

المشكلة أن هذه وتلك يصاحبهما أمور مربكة: الشخص الذي ارتكب خطأ ضد أناس أثناء قيادته لسيارته، يتأفف عندما يخطئ عليه شخص أكثر رعونة منه. في المقابل، أنت ترى بعض المنتسبين لقطاعات المرور وسواه ممن يقودون سيارات حكومية، لا يختلفون عن الآخرين، أثناء قيادتهم السيارة.

نسبة الذين يجهلون قواعد وأنظمة المرور قليلة جدا. النسبة الأكبر في المخالفات التي تحدث في الشارع هي نتاج تجاهل هذه القوانين.

لاحظوا أننا نتحدث أيضا عن نخب اجتماعية: أكاديميين، أطباء، قادة رأي، طلاب جامعات، موظفين كبار في القطاعين العام والخاص.

كل أولئك يمارسون خروقات ضد الوعي، وكلهم يزعم أنه يفعل هذا الأمر اضطرارا، إذ لا يملك خيارا سوى أن يكون جزءا من المخالفين.

نموذج المرور ينسحب على كثير من أمورنا التي ترتبط بالوعي وبالفعل المضاد للوعي. هذه المقالة ربما تندرج تحت ما ورد في الفقرة الأولى من المقالة.

الأربعاء، 14 مايو 2014

أخونا إبراهيم


 

لم أستغرب طاقات الخير والحب التي أطلقتها تغريدة شاب أفغاني من مواليد السعودية اسمه إبراهيم، يرقد على السرير الأبيض للعلاج في مستشفى الملك خالد الجامعي منذ ثمانية أشهر، إثر إصابته بالشلل.

طلب إبراهيم من صديق له أن يكتب تغريدة باسمه يدعو فيها الناس لزيارته نظرا لشعوره بالملل من طول مكوثه في المستشفى.

تحولت التغريدة إلى حافز، جعل المئات يتجهون إلى المستشفى لزيارته.

رغم الضغط الذي تعرض له المستشفى بسبب هذا العدد من الزوار، لكن الأمر أعطى مؤشرا تلقائيا عن طاقات الخير والحب المكنوزة في قلوب الناس.

لم تقتصر المسألة على الزيارات، إذ سرعان ما توالت التبرعات من أجل توفير العلاج لإبراهيم.

البعض وجد في الهاشتاق سانحة للتطاول على وزارة الصحة بزعم تقصيرها تجاه إبراهيم.

واقع الحال أن إبراهيم وجد عناية فائقة في مستشفى الملك خالد التابع لجامعة الملك سعود. لكن حالة إيراهيم تفتح التساؤل حول فاعلية دور لجان أصدقاء المرضى. فأنا أفترض أن لديها تنسيقا مع المستشفيات، بحيث تقوم بعمل زيارات للمرضى الذين لا يزورهم أحد.

لعل حالة إبراهيم تحفز لجنة أصدقاء المرضى في الرياض وسواها إلى تطوير أدائها.

هي فرصة سانحة أيضا لتوجيه الشكر لكل من أشاع البهجة والفرح على قلب أخينا إبراهيم.

الخميس، 8 مايو 2014

نتاج الكراهية مؤذٍ **



في مقالته أمس، قال الدكتور توفيق السيف: "إصدار قانون حماية الوحدة الوطنية أصبح ضرورة، كي نحمي أنفسنا وأبناءنا ومستقبلنا من تجار الكراهية هؤلاء".

لقد كان مجتمعنا ولا يزال، تغلب عليه المراعاة واللياقة، التي تفرض قدرا كبيرا من الاحترام للإنسان، أيا كان لونه أو جنسه أو رؤيته.

إن الانتقائية في ممارسة الكراهية تفضي إلى إقصاء ينقلنا إلى إقصاء آخر.

وأججت وسائل التواصل الاجتماعي بعض النعرات التي أصبح من اللازم تهذيبها.

لم يعد من المسوغ أن يظهر مقطع يوجه الإهانة لشخص بسبب لونه سواء تلميحا أو تصريحا. ولم يعد من المجدي السماح لشخص يسيء إلى لاعب بسبب طائفته. هذه النماذج وسواها، من الأمور التي تؤسس للكراهية، لا بد أن تتسامى المجتمعات العربية ومن ضمنها مجتمعنا عنها.

نعم نحتاج إلى قانون ضد الكراهية، وهذا القانون ينبغي أن يتبنى وضع تصوراته مركز الحوار الوطني وجمعية وهيئة حقوق الإنسان ومجلس الشورى.

هذه المبادرات صمام أمان تعلي قيمة إنسان هذه الأرض الذي اختار أن يكون ولاؤه لله ثم للوطن والقيادة، لكنه لم يختر اسمه ولا لونه ولا المنطقة أو الطائفة التي ينتمي إليها.


** رابط مقالة د. توفيق السيف التي أعلق عليها : 

http://www.aleqt.com/2014/05/06/article_846780.html


الثلاثاء، 6 مايو 2014

ميراث الوزير السابق



عندما أجد منشأة حكومية تحقق إنجازا وتترك أثرا، أتأمل في قائدها. القائد في أي منشأة هو المحرك.

هذا الأمر يمكن أن نلاحظه من خلال نشاط هذه الوزارة أو تلك. أحيانا تكون صورة وزارة ما ترتبط في الذهن بالبطء والضبابية. لكن هذه الصورة سرعان ما تتغير بتغير الوزير.

الحقيقة أنني لا أنظر إلى هذه المسألة باعتبارها مسألة إيجابية، بل أعتبرها من ملامح الخلل الإداري الذي يحتاج إلى علاج.

إن الوزارة أو الإدارة عندما تخضع للسمات الشخصية للمسؤول عنها، تتأثر بتغيير المسؤول سلبا وإيجابا بشكل كبير.

لا يمكن إنكار أهمية السمات والمهارات الشخصية لرب العمل، لكن من الضروري أن تكون هناك ضوابط تحمي العمل من التراجع.

هناك مشروعات تتوقف في بعض المنشآت لأن الوزير قد لا يراها جيدة. رغم أن هذه المشاريع معتمدة وسبق إقرارها من الوزير أو المسؤول الذي قبله.

عندما تتأمل في حال بعض المنشآت، تشعر بألم شديد، لأن بعض المشروعات تعثرت ستة أعوام أو أكثر، ليس بسبب عدم وجود اعتمادات، بل لأن أولويات الوزير الجديد تغيرت.

نحتاج إلى رقابة تحمي الاستراتيجيات الحكومية من الاجتهادات، مع إتاحة مرونة تسهم في إثراء هذه المشروعات لا إيقافها أو إلغائها.


الأحد، 4 مايو 2014

هل زرت متحفا؟



من منا فكر اليوم في اقتطاع جزء من الإجازة الأسبوعية من أجل زيارة هذا المتحف أو ذاك؟!

تبدو إجابة السؤال الافتراضية مخيبة. فالنزهة بإجمالها لا يدخل ضمن مصطلحاتها زيارة متحف، أو مكان أثري. إذ إن تكبد العناء في السفر إلى هذه المنطقة أو تلك، تتخلل أجندته الرحلات البرية أو البحرية والتسوق ... إلى آخره، لكن يندر أن تكون المتاحف ضمن القائمة.

ولو حاولت أن تكون من مرتادي المتاحف في الرياض أو جدة فإنك ستجد أن معظم من حولك غرباء، يتملكهم الشغف في التعرف عن قرب على تراث المملكة وآثارها، وربما تجد طلابا من هذه المدرسة أو تلك الجامعة.

حتى رحلاتنا الخارجية - ونحن لسنا وحدنا في هذا فكل الخليجيين كذلك ــــ تأتي زيارة المتاحف في ذيل قائمة اهتماماتنا.

هذه الثقافة المهمة تغرسها الأسرة منذ الصغر، وكذلك المدرسة باعتبارها المؤسسة التربوية الأولى.

المتحف نافذة مهمة يمكن من خلالها تقديم صورة مختصرة عن موضوع معين، سواء كان هذا الموضوع يتعلق بتاريخ اجتماعي أو ثقافي أو فني. في بلدان أخرى قد تجد متحفا عن هذا الرسام أو الكاتب. إضافة إلى المتاحف التي تؤرخ لبعض الأحداث العسكرية. المدن صغيرها وكبيرها تضم متاحف عدة. كل واحد من هذه المتاحف يوثق تاريخ المدينة بصيغة أو أخرى.

وهذه المتاحف محطة سياحية مهمة يرتادها أهل المدينة والسياح الزائرون لها. هي رافد اقتصادي وثقافي في الوقت نفسه، وهي أحد أسس التعليم بالترفيه.

الأربعاء، 30 أبريل 2014

قال داود: تبا لكم



كانت السعودية كلها على موعد مع مسفر عبر الثامنة مع داود الإثنين الماضي. هو اليوم نفسه الذي كتبت فيه مقال عنوانه “عودة مسفر”، وكنت أعلق على خبر عودته، وأعترف لكم أن والدته أبكتني كما أبكت داود وشريحة كبيرة ممن شاهدوها في حلقة سابقة من برنامج الثامنة مع داود على mbc. لذلك عندما قرأت على “تويتر” أن “مسفر” سيظهر على شاشة mbc حرصت أن أشاهد الحلقة. استحضرت دمعات أم محمد وهي تبكي بحرقة. واستحضرت أصوات وكتابات الساخرين من دمعاتها.

كان مسفر شاهدا على حالة الاختطاف التي تتعرض لها عقول بعض أبنائنا وبناتنا. الخاطف لا يبدو ظاهرا في الصورة، إلا على هيئة متوالية من الأشباح هنا وهناك، لتنتهي المسألة باستقطاب هؤلاء إلى طاحونة الحرب بالوكالة. بينما هم يواصلون جهادهم عبر فضائيات التهييج، ومن خلال مواقع التواصل الاجتماعي، ولكنهم يضعون لأنفسهم خط رجعة، فعباراتهم التحريضية تأتي حمالة أوجه، كما هو حال بعض خطب الجمعة التي تكيل الدعوات بالموت والفناء على أعداء الدين، وهم يقصدون دينهم هم، الذي يرى في سفك الدماء طريقا مسوغا حتى ولو مات مليون أو أكثر كما قال أحدهم في معرض حديثه عن مصر.

ظهور مسفر على mbc أسهم في سقوط الأقنعة، وتوجيه الصفعة تلو الأخرى لتيارات تحصر الفهم للإسلام بمنطقهم ورؤيتهم.

كانت خاتمة حلقة داود: تبا لكم، تليق بهذا المشهد الهزلي الذي جعل صورتنا تقترن لدى الآخرين بشهوة القتل والزواج من اللاجئات بزعم حمايتهن. صحيح أن هذه الصورة المبتذلة تمثل حالات شاذة، ولكن الأمر يتطلب جهدا خارقا لتأكيد أن تلك الصور المجتزأة هي نتاج السكوت عن مثل هؤلاء. لقد كان الأفغان العرب وبالا على مجتمعاتنا، وكان من الممكن أن تتكرر الصورة مع من تم اختطاف عقولهم وتهريبهم إلى سورية بزعم الجهاد.

مسفر كشف كيف ينظرون في سورية للخليجيين الجهاديين. الأمر بالنسبة لهم لا يعدو عن كونه رهينة تقدم لهم المال، فإذا انتهى المال باعوه للنظام ليقبضوا مالا.

ألا نعذر داود الشريان بعدها حينما يختتم حلقته مخاطبا المهيجين بعبارة: تبا لكم؟!


عودة مسفر


كان بكاء أم محمد في الثامنة مع داود على mbc من الأمور التي أفضت إلى زيادة المناهضين لخديعة شيوخ التهييج، الذين أسهموا في تحريض الشباب لما أسموه النفير إلى سورية بدعوى الجهاد.

لم تسلم أم محمد من تشكيك بعض هؤلاء باعتبارها شخصية مصطنعة بزعمهم.

كان هذا الإمعان في الأذى، يكشف الضرر الذي شعروا به بعد ظهور تلك الحلقة. كانت الحقائق تترى، وكانت الكواشف تتوالى في مواقع التواصل الاجتماعي. أحدهم يحرض على الجهاد ثم يكتب عن فرحته بزواج ابنه. ابن أحدهم يستعرض على تويتر صور رحلته في شرق آسيا.

بينما والده يواصل ضخ الكراهية والتحريض بين أبناء المجتمع الواحد، ويؤجج الحس الطائفي المقيت. كانت الصورة ولا تزال تتسيدها صورة أناس يتوسلون بالدين لاقتياد أبنائنا وبناتنا تجاه حرب مستعرة، بينما هم يمارسون الفرجة والتهييج من بعيد. عاد مسفر إلى حضن أمه. وسبقه عائدون آخرون، بعد قرار ولي الأمر بتجريم من يغرر بالشباب ويدفعهم إلى أتون الحروب العمياء باسم الجهاد.

 ولكن بقيت أنفاس هؤلاء وأولئك، تخاتل أفكار القاعدة والحركية التي تتلبس في نفوسهم؛ فيكيلون المديح لهذا وذاك، ولكن أصواتهم تتوارى عندما يكون الكلام إعزازا للوطن وقادته.

في فترة من الفترات، لم يكن أحد يجرؤ على مثل هذا الكلام خشية أن يتم وصمه بالإساءة للدين. لكن ثبت لاحقا أن الدين بريء مما يفعله الحركيون ويمارسونه. سقطت الأقنعة وانكشفت الصورة.

الثلاثاء، 15 أبريل 2014

إلغاء انتخابات المثقفين

هل يحق لوزارة الثقافة والإعلام التخلي عن نظام الانتخابات في مجالس إدارات الأندية الأدبية واللجوء للتعيين؟! السؤال يضع علامة استفهام كبرى.

إذ إن وجود إشكالات في الأندية الأدبية لا يمكن أن يتم علاجه بإبطال نظام قررت الدولة أن تأخذ به في الجامعات والمجالس البلدية وحتى مجلس الشورى في خطوة مستقبلية. وبالتالي فإنه لا يحق لوزارة الثقافة والإعلام أن تتوكأ على عصا الإشكالات التي حدثت في هذا النادي أو ذاك من أجل تبرير موضوع الإلغاء.

ومن هنا فإنني أتفهم ردة الفعل السلبية على إعلان وزارة الثقافة والإعلام نيتها اعتماد مبدأ التعيين بدلا من الانتخاب. ومن يدري، فقد تقرر الوزارة أن تعمم الأمر على هيئات المجتمع المدني الخاضعة لإشرافها مثل هيئة الصحفيين السعوديين وجمعية الكتاب السعوديين والناشرين ... إلى آخره.

إن مبدأ “الباب اللي يجي لك منه ريح ... سده واستريح” لا يمكن أبدا اعتباره الحل الناجع في هذا العصر. إن من المهم معالجة الإشكالات، وجزء من العلاج يتعلق بتحفيز المثقف والأديب على ممارسة حقه في التصويت والانتخاب؛ إذ إنني أجزم بأن جزءا من الأخطاء التي واكبت انتخابات الأندية الأدبية، وأدت إلى تسنم فئة كانت حاضرة في المشهد، بينما تعاملت بقية ألوان الطيف مع فكرة التصويت والانتخاب بنوع من التواكل واللامبالاة والسلبية، لكن عندما ظهرت النتائج بدأت التوجهات والأخطاء تحفز على المعارضة.

لقد شهدت بعض الأندية الأدبية مواجهات مع وزارة الثقافة والإعلام في المحاكم بسبب تدخلها في شؤون مجالس الإدارات المنتخبة.

وهذه الصورة التي جعلت القضاء يرفض إجراءات الوزارة ضد المجالس المنتخبة، أوجدت مثقفين آخرين أيدوا هذه القرارات وصفقوا لها ربما نكاية في خصومهم، لكنها في النهاية جاءت لتقويض منجز وليد كان من الممكن أن يغدو أجمل لو تمت حمايته وتقييد تدخلات الوزارة والعمل على إعادة صياغة رؤية يحددها الأدباء والمثقفون حول من ينتخب من وكيف؟!

هذه الرؤية التوافقية أفضل حتما من مخالفة مسار الدولة في الأخذ بمبدأ الانتخاب في أكثر من قطاع، سواء في الجامعات أو البلديات أو الغرف التجارية وجمعيات النفع العام ... إلى آخره.

إن المأمول أن تعيد الوزارة النظر في قرارها، وعلى الأندية الأدبية والأدباء اللجوء إلى ديوان المظالم ضد هذا القرار غير المتوقع.


الأحد، 13 أبريل 2014

هل نحتاج إدارة حكومية إلكترونية للخطبة والزواج في السعودية؟



تنتشر في الغرب ظاهرة المواقع والتطبيقات الاجتماعية التي تهدف للجمع بين شخصين. هذه التطبيقات تمثل نافذة من نوافذ التواصل بين الذكور والإناث. ولا شك أن هذا الأمر بالشكل المطبق هناك، لا يتسق مع مفاهيمنا وقيمنا الدينية والمجتمعية.

لكنني قصدت من الحديث عن هذا الأمر، الخروج بفكرة أقترح أن تتبناها وزارة الشؤون الاجتماعية، وتعتمد على إيجاد وسيلة إلكترونية يمكن من خلالها استقبال طلبات الزواج سواء من خلال الشباب أو الفتيات أومن خلال الأسر أيضا.

وكما يقدم المرء طلبا لقرض أو خدمة ما، يمكن الاستفادة من التقنية في تيسير الزواج لمن لا يجد وسيلة مباشرة إلى هذا الأمر، بحكم التعقيدات التي أفرزتها الحياة المعاصرة، التي جعلت الإنسان لا يعرف حتى جيرانه.

هذا الأمر في رأيي يتسق مع المهمات التي أوكلها مجلس الوزراء إلى وزارة الشؤون الاجتماعية بتنفيذ دورات تثقيفية للراغبين في الزواج من الجنسين.

أعرف حساسية هذا الأمر، لكنني أستشعر أهميته وضرورته بالنسبة للبعض.

لقد تحول الأمر إلى تجارة لكل من هب ودب. مواقع إلكترونية التسجيل فيها بمقابل مادي وأغلبها تقوم بأدوار مشبوهة، وهناك مجاهيل ومجهولات على "تويتر" و"فيس بوك" يقدمون أنفسهم باعتبارهم يقدمون خدمات الزواج. وبعضهم يقول إنه متخصص في المسيار فقط، وأخريات يعرضن خدمات لا تمت للزواج بأي صلة.. إلى آخره.

المؤلم في كل هذا، أن هناك من يهدر أسراره وماله على هؤلاء، رغم عدم جدية الخدمات التي يقدمها معظمهم.

وهناك جمعيات خيرية تمارس هذا الدور، وجهدها رغم أنه محدود إلا أنه مشكور تماما.

لنكن واقعيين ونعترف أن ظاهرة العنوسة والعزوبة في مجتمعنا وفي كل المجتمعات العربية، أصبحت مصدر شكوى وقلق كثير من الأسر وإن منع الحياء معظمهم عن التصريح بذلك.

قبل أن أختم هذه المقالة لابد أن أشكر الأخ محمد بن سعيد السناني الذي تفاعل مع مقالتي: شباب وشابات دون زواج ("الاقتصادية" 2014/3/26) وتكلف عناء الحضور للصحيفة حاملا وجهة نظره التي تؤكد ضرورة إعطاء موضوع تزويج الشباب والفتيات اهتماما أكبر. ويؤسفني أنني لم أتمكن من مقابلته؛ لكنني تعلمت من رسالته الكثير، وكنت أتمنى أن أستمع إلى شريط كاسيت أهداني إياه يضم تسجيلا لحلقة من إذاعة الرياض تناقش الموضوع ذاته، لكنني مع الأسف لا أملك جهاز تسجيل، فقد أفقدتنا التقنية الحديثة العلاقة الحميمة سابقا مع الكاسيت.


الإنجاز واجب المسؤول



ينسبون إلى نابليون عبارة تقول "إذا أردت أن تحقق النجاح فلتَعِد بكل شيء، ولا تفي بأي شيء".

عبارة كارثية خاطئة، ومع عدم التسليم بصحة النسبة إلى نابليون، إلا أن حال بعض المسؤولين التنفيذيين لدينا ليس بعيدا عن هذا.

في التقرير الذي نقله الزميل محمد العوني عن أداء هيئة المدن الاقتصادية ونشرته "الاقتصادية" أمس مثال شديد الوضوح على عدم الإنجاز.

وعلينا قبل هذا أن نذكر إحقاقا للحق أن هذه المدن الاقتصادية كانت تحت مظلة الهيئة العامة للاستثمار، وكان هناك وعود كثيرة بوظائف مليونية ومصانع بالمئات. مجلس الشورى واجه هيئة المدن الاقتصادية بالحقيقة التي يعرفونها فيما يخص ما تحقق في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية في رابغ نسبة الإنجاز 5 في المائة.

بينما تتضاءل النسبة في مدينة المعرفة الاقتصادية إلى 4 في المائة ويزيد التناقص في نسبة الإنجاز في مدينة جازان الاقتصادية إلى 1 في المائة. أما نسب الإنجاز في مدينة الأمير عبد العزيز بن مساعد الاقتصادية فهي صفر في المائة.

الذي قاله لنا المسؤولون السابقون قبل بضعة أعوام ونشرته وسائل الإعلام غير هذا.

وأتذكر أنه كان من المحظور على الناس التشكيك في أن مدينة جازان الاقتصادية ستوفر نصف مليون وظيفة. كان موقع الهيئة العليا يتباهى بأنه سيوفر فرصا وظيفية بمئات الآلاف في هذه المدن.

وقلت في مقال سابق إنه قياسا على هذه الأرقام يفترض أن تكون وزارة الخدمة المدنية ووزارة العمل في رغد وراحة بال، إذ لن يكون لديهما ضغوط متواصلة لتوفير مزيد من الوظائف للعاطلين.

لقد أخذ بعض المسؤولين السابقين بالمقولة الموجودة في بداية المقال، وعندما أصبحوا خارج المسؤولية بقيت تصريحاتهم ووعودهم تلاحقهم.

لقد أعاد الملك ــ يحفظه الله ــ خلال إقرار ميزانية هذا العام ما سبق أن تحدث عنه في أعوام سابقة من ضرورة أن يراعي المسؤولون عظم الأمانة الملقاة على عواتقهم. ونحن نتذكر عبارته الشهيرة: من ذمتي إلى ذمتكم. والحق أن هناك من كان على مستوى ثقة القيادة فأنجز، وهناك من لم يحقق المطلوب منه فكان عليه أن يترجل.


السبت، 12 أبريل 2014

وطننا أمانة



عندما أعود بذاكرتي بضعة أعوام، أجد أن عددا كبيرا من الملفات أخذت طريقها للحل. تم توظيف عدد كبير من الشباب والفتيات. والمستقبل يعد بالمزيد. تم حل إشكالات مجموعات من الخريجات والخريجين. وما زال المجتمع ينتظر المزيد. وزارة الخدمة المدنية ووزارة العمل ووزارة التربية والتعليم .... إلخ. تلقت توجيهات مباشرة من الملك ومن ولي عهده الأمين- يحفظهما الله- بضخ مزيد من الشباب والفتيات إلى سوق العمل، وقد كان.

تواكب ذلك مع تطويق لمشكلات المحتاجين عبر وزارة الشؤون الاجتماعية، وفي وزارة التعليم العالي كانت قافلة الابتعاث تتواكب مع قفزات متسارعة في عدد الجامعات. خلال عشرة أعوام تضاعف عدد الجامعات السعودية أكثر من مرة. لدينا حاليا 28 جامعة حكومية و29 جامعة وكلية أهلية، وهناك مزيد في الطريق.

وزارة الإسكان بدأت تتحرك من أجل تطويق مشكلات السكن. خطوات حثيثة للعلاج، يشوبها قصور ربما لكن القطار بدأ يتحرك بشكل أكثر سرعة من ذي قبل.

لا أقصد من كل هذا الكلام تقديم إحصاء واستعراض للمنجزات.

لكنني أقول إن التاريخ سوف ينصف رجل المرحلة الملك عبد الله بن عبد العزيز وعضده الأيمن الأمير سلمان بن عبد العزيز يحفظهما الباري.

من المهم أن نتحدث عن هذا الخير وتلك النعمة التي عمت البلاد. هناك من لا يسرهم هذا الكلام، ويسعون للتثبيط والتحبيط والتحريش.

هناك من لا يسعد بهذا الاستقرار والتلاقي بين كل أطراف هذا الجسد. هناك من يسعى لرمي الأحجار على هذه النخلة المثمرة، ويحاول التفريق بين فروعها تارة بطرح طائفي وأخرى بزعم مناطقي وثالثة بسياق نفعي ظاهر.

هناك من يتوسل بالخيانة والمزايدة، وهو يتوكأ تارة بالدين وأخرى بالعصبيات الممقوتة.

الوطن اليوم كبير بكل فئاته وجغرافيته. وهو يكبر أكثر كلما خابت أماني المثبطين والمتربصين.

حفظ الله الملك وولي عهده ونائبهما الثاني وبارك في بلادنا وحفظها سالمة وآمنة من سوء الحساد والمندفعين دون بصيرة.

إن الوطن أمانة في أيدي الجميع، وعلى كل فرد في هذا النسيج أن يكون يد بناء وعطاء، وألا يتحول دون أن يشعر إلى أدة تهديد واستهداف لهذه المنجزات وهذا الاستقرار والنماء.


الاثنين، 7 أبريل 2014

وطننا أمانة



عندما أعود بذاكرتي بضعة أعوام، أجد أن عددا كبيرا من الملفات أخذت طريقها للحل. تم توظيف عدد كبير من الشباب والفتيات. والمستقبل يعد بالمزيد. تم حل إشكالات مجموعات من الخريجات والخريجين. وما زال المجتمع ينتظر المزيد. وزارة الخدمة المدنية ووزارة العمل ووزارة التربية والتعليم .... إلخ. تلقت توجيهات مباشرة من الملك ومن ولي عهده الأمين- يحفظهما الله- بضخ مزيد من الشباب والفتيات إلى سوق العمل، وقد كان.

تواكب ذلك مع تطويق لمشكلات المحتاجين عبر وزارة الشؤون الاجتماعية، وفي وزارة التعليم العالي كانت قافلة الابتعاث تتواكب مع قفزات متسارعة في عدد الجامعات. خلال عشرة أعوام تضاعف عدد الجامعات السعودية أكثر من مرة. لدينا حاليا 28 جامعة حكومية و29 جامعة وكلية أهلية، وهناك مزيد في الطريق.

وزارة الإسكان بدأت تتحرك من أجل تطويق مشكلات السكن. خطوات حثيثة للعلاج، يشوبها قصور ربما لكن القطار بدأ يتحرك بشكل أكثر سرعة من ذي قبل.

لا أقصد من كل هذا الكلام تقديم إحصاء واستعراض للمنجزات.

لكنني أقول إن التاريخ سوف ينصف رجل المرحلة الملك عبد الله بن عبد العزيز وعضده الأيمن الأمير سلمان بن عبد العزيز يحفظهما الباري.

من المهم أن نتحدث عن هذا الخير وتلك النعمة التي عمت البلاد. هناك من لا يسرهم هذا الكلام، ويسعون للتثبيط والتحبيط والتحريش.

هناك من لا يسعد بهذا الاستقرار والتلاقي بين كل أطراف هذا الجسد. هناك من يسعى لرمي الأحجار على هذه النخلة المثمرة، ويحاول التفريق بين فروعها تارة بطرح طائفي وأخرى بزعم مناطقي وثالثة بسياق نفعي ظاهر.

هناك من يتوسل بالخيانة والمزايدة، وهو يتوكأ تارة بالدين وأخرى بالعصبيات الممقوتة.

الوطن اليوم كبير بكل فئاته وجغرافيته. وهو يكبر أكثر كلما خابت أماني المثبطين والمتربصين.

حفظ الله الملك وولي عهده ونائبهما الثاني وبارك في بلادنا وحفظها سالمة وآمنة من سوء الحساد والمندفعين دون بصيرة.

إن الوطن أمانة في أيدي الجميع، وعلى كل فرد في هذا النسيج أن يكون يد بناء وعطاء، وألا يتحول دون أن يشعر إلى أدة تهديد واستهداف لهذه المنجزات وهذا الاستقرار والنماء.


الأحد، 6 أبريل 2014

سوانح لشخص جامح

هل تتوقع ــــ في أقصى حالات المثالية ــــ أن يشتمك إنسان، ثم تحسن إليه؟! هذا الفعل الملائكي؛ يندر أن تجده في الواقع، وإن وجدته فستجده في ثنايا كتب وحكايات النوادر والطرائف التي يتم نقلها عن الحكماء، ويتم الاستشهاد بها على الحلم ورجاحة العقل التي تتجاوز طاقة معظم البشر.

الأمر يحتاج إلى أن تتوكأ على الحصافة والسمو والنبل، واستحضار أقصى درجات الرصانة، إذ من اللؤم أن تكون ناكرا لكل جميل، جائرا على الناس من حولك ثم تطالب بأن تنال حقا لك في الشارع أو سواه. كي تحصل على هذا الحق، عليك في المقابل أن تمنح سواك حقه.

إن حالة التجاوز والتطاول التي تتلبس بعض الناس تبقى مسألة محيرة، ولا تتسق مع صفات العربي الأصيل والمسلم النبيل الذي يؤمن أن جزاء الإحسان هو الإحسان.

إن الوعي يتعرض للاغتيال، والمحاكاة مع الأسف حاليا تتم بالقول والفعل لبعض من يمارسون الجور، وهذه من عجائب هذا الوقت، إذ ما المغري في تقليد لئيم سيء اللفظ والفعل.

لقد عززت مواقع التواصل الاجتماعي للإنسان فرص التعبير والكلام، لكن البعض يحتاج إلى ثقافة الإنصات والإنصاف وعدم الجور أو الكذب والتجاوز على الكبار واستضعاف الصغار واحتقارهم. حتى في أقصى حالات الخلاف والاختلاف؛ هناك مساحة يمكنك فيها أن تكون راقيا ورحيما وكريما ونبيلا؛ فلماذا يترفع البعض عن هذا السلوك الجميل؟!

قبل أن توجه الشتيمة إلى إنسان، مهما اختلفت معه، توقف قليلا واسأل: ماذا لو كنت أنت الذي تتعرض لمثل هذا التصرف؟! قرر أن تتوقف عن ذلك، ولا داعي للمكابرة. إننا نتعلم كل يوم كي نصحح أخطاءنا بالأمس.

الأربعاء، 2 أبريل 2014

الحراك السعودي



أعجبتني عبارة الأمير خالد الفيصل وزير التربية والتعليم خلال الاحتفاء بجائزة الملك فيصل العالمية. قال الأمير: «إن السعودية تعيش حراك تنمية وثقافة، لا حراك ميليشيات وحرب».

وهذا أمر حقيقي، ولكن ثمة من يحاولون إشاعة فكرة اليوتوبيا عن مجتمعنا؛ ثم يعمدون إلى تكثيف السلبيات والسعي لاستخدامها مادة للتحريض والتهييج.

هذا السياق بدأ يتشكل عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وأصبح النأي عن فخ هذا التهييج أمرا وقرارا يتعلق بالإنسان. هنا لا بد من الإشارة والتنويه إلى أن شباب وبنات الوطن أصبح لديهم من الوعي والإدراك ما يجعلهم يقرؤون الصورة بشكل حصيف، وبالتالي تتحول الأصوات الموتورة إلى مادة للتندر والتسلية.

إن الحراك السعودي الواعي، هو حراك حقيقي، يلتف بكامله من أجل الوطن والإنسان والقيادة. وهذا الفعل الجمعي الطبيعي، أحد الأمور التي لا تسر العدو.

إن الرهان على الوعي وعلى روح المواطنة الحقة، مسألة لا يمكن أن تقترن بفوائد فردية، إذ هي صمام أمان يفضي إلى تحقيق معادلة الاستقرار والتنمية. هذه المعادلة التي جعلت السعودية - وإن تعامى البعض عن هذه الحقيقة - أحد خيارات الاستثمار الآمنة إقليميا ودوليا.

ووسط كل هذا؛ كان لا بد لبعض الأصوات الانتهازية أن تسعى لاستغلال قضايا عادية من أجل تحويلها إلى قضية رأي عام. لا نختلف حتما في أهمية أن تعلو الأصوات ضد أي مظهر سلبي؛ لكن مع استحضار روح المسؤولية والمواطنة، وصد المزايدين على هذا الكيان الشامخ بقادته وأبنائه وأرضه الطاهرة.


الأحد، 23 مارس 2014

النائب يتبرع بقلبه

بينما أنا أقرأ خبر توقيع نائب وزير الصحة للشؤون الصحية الدكتور منصور الحواسي أمس على بطاقة التبرع بأعضائه عقب وفاته، وذلك عقب افتتاحه معرض الحملة التوعوية في اليوم العالمي للكلى.

 تذكرت أنني سبق منذ سنوات طوال أن وقعت في مناسبة حاشدة على مثل هذه البطاقة. وهناك وزراء آخرون رحلوا عن هذه الدنيا -يرحمهم الله- وقعوا على البطاقة نفسها وسط أضواء فلاشات التصوير والتصريحات البليغة.

لكن واقع الحال أن الأمر يبقى مجرد عرض تحفيزي، لا يتبعه فعل حقيقي. والعودة إلى الأرشيف تؤكد ما أقوله، ولا أريد هنا أن أطرح أسماء، فالأمر فقط يتطلب آلية تحفظ للمتبرع حقه في التبرع وتجعل هذا الموضوع جزءا من سجله الطبي المتاح سواء في المستشفيات الحكومية أو الخاصة.

مبادرة مثل هذه تنطوي على فعل إنساني راق، وأثره يتجلى سريعا من خلال إنعاش أرواح أخرى تظل تعاني أمر العذاب بدون وجود مثل هذه المبادرات النبيلة.

ومع ذلك فإن هذا الفعل يظل محدودا، ولا نراه إلا في حالات "الكوما" طويلة الأمد. بينما في حالات أخرى مثل الحوادث أفضل ما يفعله المستشفى العام والخاص هو رفع الأجهزة وإعلان حالة الوفاة للمصاب، دون التفكير في عرض الأمر على أسرة المتوفى ومحاولة أخذ موافقة منهم بإحياء جزء من فقيدهم من خلال منح أعضائه لآخرين.

بل إنني أتذكر تجربة لن أذكر اسم صاحبها، وصل إلى المستشفى بعد وفاة فلذة كبده، وعندما أفاق من الصدمة وفكر في أن يتبرع بأعضاء الفقيد، اكتشف أن الأمر قد انتهى ولم يعد ذلك ممكنا.

إنني أثني على قرار الدكتور الحواسي وكل إنسان أسهم في إحياء الأجساد التي تعاني أدواء الكلى والقلب والعمى وغيرها من أمراض وعلل تحتاج إلى مبادرات نبيلة.

عندما ينتهي عمر الإنسان، لا يمكن إعادته للحياة، ورغم ألم الفقد، لكن منح آخرين فرصا أخرى للحياة بالتبرع بالأعضاء أمر رائع وينسجم مع الحس الإنساني الراقي. على الأقل عندما تتلفت من حولك، سوف ترى جزءا حيا ممن فقدت، لا يزال يمشي على الأرض.


الجمعة، 7 مارس 2014

فوضى الثقافة والمثقف


صاحبي يتهيأ لاستقبال معرض الكتاب. هو في الحقيقة يجد فيه ملاذا، ينتقي من خلاله مؤونة تكفيه عاما كاملا. يأخذ أحدث الكتب، في مجالات الأدب والتاريخ والاجتماع والسياسة... إلخ. حال صاحبي يعكس قدرا لا يستهان به من السلوك المتحضر. الحقيقة أن دور النشر العربية تتهافت على معرض الرياض الدولي للكتاب. حركة الشراء في المعرض تعتبر الأعلى عربيا. هناك أيضا من يجد متعة في التجول بين معارض الكتب في القاهرة والشارقة وغيرها.

الإشكال في كل هذا، يظهر في كون صاحبي ـ وسواه كثير ـ عندما يأتون إلى معرض الكتاب، يقودون سياراتهم بشكل فوضوي، ويعمدون إلى إيقافها في أماكن غير مناسبة. لكنهم عندما يعبرون نحو ساحة الكتب، يتحولون إلى كائنات لطيفة، يتحدثون مع المؤلفين عبر لغة راقية، وغالبا يكون لديهم رحابة وقدرة على الإنصات وأيضا يختارون كتبا مميزة. بعضهم يتجه نحو قاعة المحاضرات، ينصت للفعاليات بمنتهى الهدوء، ثم يحمل حمولته ويمتطي سيارته، ثم يتأهب لخوض معركته مع الناس من حوله في الشارع. كثيرا ما يلوح سؤال في ذهني، وأنا أراقب سلوك البعض بمجرد امتطائهم السيارة: هل هناك جني يسكن في سياراتنا يستحوذ على تصرفاتنا؟

الحقيقة أنني أمعنت في مراقبة نفسي أولا، وفي مراقبة إمام مسجدنا، وأيضا أناس غرباء لا أعرفهم. حالة من التنمر والذئبوية تتلبسهم خلف المقود، يجورون على المشاة، وعلى أصحاب السيارات الأخرى، لكنهم يمضون جذلين، فرحين بحصيلتهم من أوعية الثقافة وكنوزها التي تقدمها دور النشر المحلية والعربية والأجنبية.

الجمعة، 28 فبراير 2014

أن تكون فضائيا

شاركت معلقا في إحدى المناسبات على قضايا تخص الإعلام المحلي. وأثناء المداخلات، تحدث أحد الأفاضل حول مسائل علمية ودينية، وكان يستفسر مني بشأنها، فقلت له إنني أفضل أن أتحدث عما أعرف ولا أجتهد فيما لا أعرف. بعد اللقاء قال صديق إن الاعتذار بعدم المعرفة أمر يقلل قدر الإنسان. قلت له: رأيي أن الخوض فيما يجهل المرء قلة العقل.

أكــــــثر معانـــــــاة يواجهها الإعلامي: إغراء الكلام.

تتصل قناة تلفزيونية لتطلب التعليق على سوق الأسهم، وعندما أجيب المتصل أنني لا أتقن الكلام في الأسهم يستغرب. ومع ذلك يتكرر الاتصال من فترة إلى أخرى. هو عادة يتعامل مع قائمة هاتفية، وغالبا لا يعي أي تفاصيل أخرى.

تتصل قناة أخرى لتقول الفتاة على الطرف الآخر: كتبت اليوم مقالة عن موضوع كذا ونريد تعليقك عليه. قلت لها: أظنك أخطأت، أنا لم أكتب هذا، لكنني وضعت رابطا لمقالة الكاتب عبر “تويتر”. تشعر بقليل من الحرج، لكنها تكمل: طيب، نحن نريدك أن تتحدث معنا، فما الأشياء التي تحب الحديث عنها؟ قلت لها: لا شيء.

كثرة الفضائيات والصحف والمواقع الإلكترونية أصبحت تؤسس لفكرة الجاهل الذي يتحدث في كل شيء وفي أي شيء. وإذا تأملت في حال بعض البرامج عندنا تكتشف أنها لا تخرج عن مدار شلة تلتقي لتتحدث في شأن معين. تتغير أسماء البرامج ومجالاتها، لكن يبقى من حقك أن تسميها: شلة الرياضة، شلة السياسة، شلة الثقافة. وفي كل قناة هناك شلة خاصة بكل شيء.

ولو أعدت تأمل المشهد مرة أخرى ستجد أن القائمة الهاتفية في هذه القناة أو تلك ثابتة وإن تغيرت وتبدلت البرامج والمذيعون. نحن نحبو، فيما تتسارع خطوات فضائيات أخرى، تتعب قليلا على برامجها. لهذا دوما يكون الاعتذار واجبا.

الاثنين، 24 فبراير 2014

عن العوامية الحبيبة



إصرار البعض على تصوير حالات الإرهاب التي يمارسها بعض المجرمين في العوامية على أنه فعل بطولي، يعكس جورا وانحيازا لهوى نفس.

هم يبحثون في هؤلاء الأغرار عن أبطال. لكن ما البطولة في أن يحمل شخص سلاحا ويروع به الآخرين؟! لا أحد يقر مثل هذا التعدي والإرهاب، سواء كان مكانه في العوامية أو الرياض. وسواء كان مرتكبه سنيا أو شيعيا.

بل إن كل الأمم المتحضرة، تعتبر كل من يحمل سلاحا ويشهره في وجوه الناس مصدر تهديد للأمن، ويتم التعامل معه وفق هذا المنظور.

إن البعض يريد أن تكون العوامية جسرا لإذكاء الفتنة وضخ الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد. لكن هذا العناق بين الشمال والجنوب، بين الشرق والغرب، أكبر وأعمق من أن تؤثر فيه مثل هذه المحاولات.

إن من المهم، ونحن نتأمل في هذه الحادثة وما سبقها من حوادث، أن نعيد التأكيد على أن هذه الأطراف المتآلفة، لا يمكن أبدا أن يؤثر فيها أغرار من هذه الجهة أو تلك. إن القيمة العليا التي تعلو دوما هي قيمة الوطن، وقيمة الإنسان وأمنه وسلامته. وهذا الأمر يتعزز يوما بعد يوم، من خلال النظر في حال المجتمعات التي أثخنتها الفتن. هذا الدرس، يعزز الحاجة إلى أصوات العقل والعقلاء. إن التطرف والتطرف المضاد، مرض عضال، لا يمكن إطفاء غلوائه، إلا بالتضافر من أجل محاربة أطرافه كافة.

إن هناك من يتوسلون بالدين من أجل استهداف الوطن. لقد شهدنا وخبرنا هذا الأمر عبر سنوات طوال. سواء من خلال محاولات تصدير الثورة الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي عبر ما يسمى خط الإمام، أو من خلال تنظيم القاعدة التي تغولت على يد ما يعرف بالأفغان العرب من أفغانستان.

كثيرة هي التنظيمات والتحزبات التي تتوسل بالدين جورا وتستهدف الوطن والإنسان.

علينا أن نراهن على الوعي بكل هذه الأهداف، وأن نسعى لتعريتها. وعلى مركز الحوار الوطني أن يباشر مهامه الموكلة إليه بجدارة، بدلا من إضاعة الوقت في تلميع نفسه عبر مناشط ثانوية يمكن لسواه أن يؤديها.


الاثنين، 10 فبراير 2014

عن زرقاء اليمامة ربما


 

الشيء العميق في أسطورة زرقاء اليمامة ــــ وهي شخصية تاريخية حقيقية ــــ أنها قالت الحقيقة، فرأى قومها أن هذه الحقيقة أقرب للمستحيل الناتج عن الخلط أو الخرف أو ذهاب البصر والبصيرة. لكن حاكي الأسطورة يقول إن ما حذرت منه زرقاء اليمامة قد حصل. نقص المعلومة أو عدم الاعتداد بها، يفضي إلى أخذ قرارات قاصمة.

كثير من الأدباء المعاصرين حاولوا استدعاء زرقاء اليمامة من خلال المسرح والدراما بشكل عام، وكذلك من خلال الشعر. وتبقى قصيدة أمل دنقل البكاء "بين يدي زرقاء اليمامة"، شكلا من أشكال التعبير عن الخيبة التي أصابت العرب بعد النكسة في 1967.

هناك حاجة ماسة إلى استحضار بصيرة زرقاء اليمامة، وسط ظروف تبدو فيها الخريطة شديدة الغموض. الرؤية لا يمكن أن تسيرها العاطفة وحدها. ولا يمكن التعويل على الذكاء وحده. ولا الرهان على القوة بمفردها.

يبدو أن مفترق الطرق، يزدحم بسلسلة خيارات قد تتصادم أحيانا مع المنطق. لكن من المؤكد أن هناك منطقا جديدا تصوغه متغيرات عدة، تجعل الأمر بحاجة إلى التناغم بين ألوان طيف قوس قزح الذي يتشكل عقب الأمطار والرعود.

البحث عن زرقاء اليمامة، الذكر والأنثى، يعني إنشاء مزيد من مراكز التفكير والدراسات الاستراتيجية. لا يمكن فهم غياب تشجيع إنشاء مراكز الدراسات والأبحاث عربيا وخليجيا ومحليا. هذا الأمر جعل الرؤية تصوغها مراكز خارجية، مع صبغها بصبغة محلية.

إذا استثنينا محليا تجربة مركز الملك فيصل، لا يمكن التعويل على أي تجربة بحثية محلية أخرى تستشرف الآفاق. حتى ما تنتجه الجامعات التي تزيد على الـ 30 يعتبر فقيرا وضحلا جدا.

إننا نغرق في بحر من المعلومات غير الدقيقة، والقراءات الإنشائية، .. لا يكاد يوجد رقم واحد متفق عليه لا فيما يخص العمالة النظامية ـــ مثلا ــــ ولا العمالة المخالفة ونوعياتها. الأمر نفسه ينسحب على أرقام وطنية أخرى. وكذلك المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والصحية. استمرار هذا الأمر يجعل الخطط متعثرة.

وبالتالي يغدو الحديث عن أزمة المرور منذ عشرات السنين وعن ضعف البنية التحتية وعن نقص الخدمات ... إلخ. ناهيك عن أننا نفاجأ بشكل مستمر أن مطاراتنا ومستشفياتنا أصبحت إمكاناتها لا تتجاوب مع الحاجات الفعلية. هناك أمور أخرى أعمق، نحن نجهلها.

الأربعاء، 5 فبراير 2014

شبابنا وحروب الآخرين


 

في نهاية تسعينيات القرن الماضي، كانت "الإنترنت" تتهادى في مجتمعنا. وقتها كانت المنتديات تتسيد ساحة التعبير. لم تكن هناك وسائل اتصال اجتماعي. كانت الأمور تبدو متداخلة في المنتديات. كما هو حالها الآن في مواقع التواصل الاجتماعي. لكن الصور مختلفة. كان بعض الشباب ـ حتى الفتيات ـ المتحمسين يضعون في توقيعاتهم في المنتديات صور أسامة بن لادن وغيره من رموز الإرهاب. وفي المقابل كان الشيعة يرفعون صور رموز آخرين، بعضهم تورط في تفجيرات استهدفت السعودية في أوج الثورة الإيرانية.

وهناك من كان يضع صور رموز غير دينية، بعض هذه الصور يتم استدعاؤها من القرن الماضي على غرار جيفارا. كان الاستقطاب وقتها حادا، كما هو الحال الآن، لكن صوت الإرهاب كان أقوى. وتحولت بعض هذه المنتديات إلى أوكار تجنيد لمصلحة هذا التيار أو ذاك.

كان من السهل التهام من يحاول معارضة التيارات الجهادية والطائفية، وغالبا يتعرض للإيقاف والطرد من هذا المنتدى أو ذاك. والأمر نفسه يحدث من قبل الطرف الآخر. في الغالب كانت منطقة الوسط ضيقة، المبدأ كان ولا يزال: إما أن تكون معي أو تكون ضدي.

كانت هناك منتديات مهمة وقتها، أتذكر منها جسد الثقافة وإيلاف وطوى ودار الندوة والساحات العربية.. إلخ. كثير من الموجودين حاليا في مواقع التواصل الاجتماعي، كان لهم حضور وتجارب قوية في هذا المنتدى أو ذاك. معظم هذه المنتديات توقفت، والباقي منها تراجع تأثيره كثيرا.

أستحضر الصورة الآن، وأنا أقارنها بصور شباب وفتيات اليوم. الأمر نفسه، لكن تغيرت طريقة الرفض.

الذين كان أقاربهم يرفعون صور رموز القاعدة، صار بعضهم يرفع شعار رابعة وسواها، الذين كانوا يرفعون صورا للمشاركين الشيعة في تفجيرات السعودية ـ مثلا ـ أضافوا صور حسن نصر الله وآخرين. الذين كانوا يضعون صورة جيفارا صاروا يستحضرون صور سنودن وسواه من رموز الرفض في الشرق والغرب.

وهناك فئة تصالحت مع المعاصرة وصارت ترى في صور نجوم التقنيات والتطبيقات الذكية الحديثة.. إلخ قدوة تستحق الحضور والترميز.

هذه دورة حياة. ووسط كل هذا كان ولا يزال هناك لاعبون يمارسون التهييج والتحريض واختطاف العقول. هؤلاء هم الذين استهدفتهم القرارات الملكية التي صدرت أمس الأول. الهدف تحصين المجتمع وأبنائه من الجماعات التي تريد مزيدا من الحطب من أجل خوض حروب بالنيابة عن الآخرين. الخليج العربي حاليا تحت ضغوط تهديدات وتحديات واستحقاقات كبيرة. وهذه التهديدات تتوكأ على أذرعة عربية ودولية عدة.

من المهم أن يعي شبابنا أن هذا الحماس الذي يبددون جهدهم فيه، لا طائل منه. ولعلهم يسألون أشقاءهم وأقاربهم الأكبر سنا.

أنتم قد تكونون وقود حروب آخرين. فانتبهوا لأنفسكم ومستقبلكم.

بين داعش وجبهة النصرة وحزب الله ـ في سورية مثلا ـ .. إلخ يموت سعوديون وعرب. مثل هؤلاء كانوا يموتون بين طوائف الأفغان عقب دحر روسيا، كانت هناك فيالق وجماعات تقاتل بعضها في حرب لا معنى لها. كنا في حاجة ماسة إلى قرار رادع، يمنع تكرار أخطاء الماضي.


الأربعاء، 4 ديسمبر 2013

رؤية حول صناعة الأفكار في العمل الصحفي


يطلب مني أصدقاء ومحبين أن أقدم لهم بعض أوراق العمل التي كنت أشارك فيها في ملتقيات علمية، حول العمل الصحفي. وعادة أقوم بتزويدهم بنسخ منها عبر البريد، ولكنني وجدتها فرصة سانحة لعرض بعضها من خلال المدونة. 
 باكورة هذا الأمر ، هذه الورقة التي قدمتها منذ أعوام (صارت بعيدة) وهي تحت عنوان : رؤية حول صناعة الأفكار الصحفية.علما أنني لم أقم بإجراء أي تعديل على محتوى الورقة، رغم الحاجة إلى ذلك.  وهو مشروع تمنيت أن أكمل الطريق فيه، ولكن لم يتسن المزاج لذلك.
وإن كنت أعيد طرح الأفكار من خلال بعض الدورات التدريبية التي سبق تقديمها عبر أكثر من كلية ومعهد للتدريب الإعلامي والصحفي.  أو حتى بالنسبة لزملائي الجدد الذين يحالفني الحظ بالعمل معهم.
هناك أوراق علمية أخرى، شاركت فيها في ملتقيات أخرى، سوف أطرحها لاحقا. إن راق لكم ذلك. 



 تستكشف الورقة إشكالية تتعلق بالعمل الصحفي وهي الفكرة الصحفية. والفكرة الصحفية أبرز الأعمدة التي ترتكز عليها الصحافة الحية والمميزة. وتفتقد المكتبة الإعلامية العربية إلى الدراسات التي تتناول هذا المحور بشكل واضح ودقيق. يمكن القول أن غياب الفكرة المعد لها بشكل جيد، يؤدي إلى سيادة الإنشائية. والإنشائية إحدى المثالب التي تؤدي إلى إضعاف الجريدة وإفقادها الكثير من المزايا التي يمكن أن تتمتع بها. ويتلو تحديد المشكلة، التحضير لمعالجتها.
وتطالب الورقة بإعادة صياغة الأدوار، بإعطاء مزيد من الاهتمام والعناية بما يمكن تسميته صانع الأفكار. خاصة أن الورقة أثبتت من خلال عينة منتقاة تتكون من 10 أشخاص يساهمون في صناعة الفكرة في أكثر من صحيفة، أن صناعة الفكرة تعد مهمة إلى جانب مهام أخرى، الأمر الذي يجعل هذه المهمة تغدو ثانوية عند البعض نتيجة انهماكهم في التفاصيل الأخرى. 
وتشبّه الورقة العاملين في ظل مثل هذه الظروف بالجياد المرهقة، التي ربما تكمل السباق، ولكنها لا تحقق فوزا فيه. وتحدد المقصود بالفكرة الصحفية. مع الإلحاح على أهمية إعطائها مزيد من الاهتمام، خاصة في ظل التحديات التي تواجه الصحافة الورقية تحديدا. 
ويرصد الباحث سلسلة من المظاهر الإيجابية التي تؤكد تفاعل الصحف وشعورها بأهمية الأمر. لكن تظل المسألة، وفقا لما وصلت إليه الورقة، محكومة بالكثير من الاجتهادات، مع عدم الثبات. وهذا يعني أنه رغم الإحساس بالمشكلة، إلا أن المعالجات جاءت متباينة، والسبب كما تفترض الورقة يتمثل في غياب صانع الفكرة، وفي الفهم الواضح لماهية صناعة الفكرة المميزة. 
وتحاول الورقة أن تحدد صفات صانع الفكرة الجيدة، سواء من ناحية الإلمام بأهداف العمل الصحفي وغاياته، والمهارات المهنية والقيادية. 
ويطرح الباحث سلسلة توصيات باتجاه تكريس مهمة صانع الأفكار، باعتبارها تساعد في تنظيم ما يتعلق بالفكرة الصحفية والارتقاء بها، الأمر الذي يؤدي للارتقاء بالعمل الصحفي بشكل عام.



تمهيد


سوف تناقش هذه الورقة إحدى الإشكاليات التي تتعلق بالعمل الصحفي. وهي الفكرة الصحفية، وكيفية تطويرها، والعوائق التي تحد من بلورتها بشكل واضح في عدد من الصحف، كما تحاول أن تطرح رؤية واضحة، تتعلق بأهمية إيجاد نوع من العمل الخاص بالتفكير والتخطيط وصناعة الأفكار، بشكل مستقل عن التفاصيل اليومية. التي تجعل الذهن ينشغل في بعض الأحيان عن المتابعات والملاحقات. 
الأمر الذي يؤدي إلى الاستسلام للروتين الوقتي في العمل، ولما يفرضه واقع الحال، من عدم وجود ضابط حقيقي يتعلق بالمحافظة على جودة المطبوعة بشكل عام. أو بتعبير أكثر دقة افتقاد فن الاتصال الذي تساعد على التطوير الإداري وتضيف له (الشمراني،1421). 
وسوف أحاول من خلال هذه الورقة، أن أضع نتاجا لمراقبة من داخل العمل الصحفي، قارئا وممارسا لما يزيد على خمسة 20 عاما، ودارسا في المجال نفسه.
وأحسب أنني اكتشفت أن الجانب النظري للمسألة، لم يكن بالمستوى الذي كنت أتصوره، وهو اكتشاف غير جديد مع الأسف، إذ لا تزال المكتبة الإعلامية تفتقد المراجع المهنية. 
ومعظم المراجع التي أتيح لي أن أعود إليها، كانت تتناول الفكرة من خلال استعراضها لأشكال العمل الصحفي، وفي الأغلب فهي لا تغطي ما أطمح أن أتناوله هنا، اللهم إلا من خلال كلام عام. (صالح، 1985). أو كلام يأخذ زوايا معينة مثل موضوع الجريمة وكيفية معالجتها الصحفية في مجتمع من المجتمعات(الشلال، 1996). أما صناعة الفكرة الصحفية، بكل ما تتضمنه الكلمة من معنى، فلم أر لها الأثر الذي كنت أتمناه مع الأسف. 
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن رئيس التحرير ونوابه وإدارة التحرير، يضطلعون بالجزء الأهم من صناعة الفكرة الصحفية. لكن حتى هؤلاء إذا لم يمارسوا أدوارهم بشكل كامل، فإنهم يفقدون من خلال ذلك عنصر الإعداد الجيد الذي يميز صحيفة عن أخرى. وليس معنى هذا إعفاء أو تجريد المحرر من روح المبادرة، فالصحافة الحديثة تفترض أن يكون المحرر حاضرا ومتميزا بأدواته. والفكرة التي تأتي من المحرر مباشرة، يكون النجاح حليفها، شريطة أن يشاركه من فريق دعم الأفكار في الجريدة.(الحمامصي، 1965م). 
واستحواذ الاستسلام للواقع، والخلوص إلى نتيجة: ليس بالإمكان أفضل مما كان، يجعلان الفريق كله ينهمك في مسألة ملاحقة الأفكار واصطيادها، وسط سلسلة من المهام والواجبات الاستراتيجية والتكتيكية. وهذا يمكن ربطه بمسائل عدة بينها سوء إدارة الوقت بالشكل الفاعل (أبو شيخة، 1991).



هيمنة الإنشائية


والناتج تفاوت واضح وبيّن، ينعكس حتما على المضمون، ويجعله خاضع بشكل كامل للظرف الآني. وهو ظرف يجعل الإنشائية تطغى. وهذا العيب رصده في واقعنا الصحفي مهني تدرج في العمل الصحفي ومر بكل الأدوار من محرر إلى سكرتير تحرير ومدير تحرير ليتوج كل ذلك من خلال رئاسة التحرير في أكثر من مطبوعة، وأعني بذلك داود الشريان، الذي وضع خلاصة رؤيته في سلسلة مقالات كان وما زال ينشرها في عدد من المطبوعات، بينها مجلة "اليمامة" وصحيفتا "البلاد"و "الحياة". 
وهذه الإنشائية يحاكمها الشريان في مقالاته وطروحاته العلمية من خلال أكثر من منبر، مثل ورقته التي طرحها في جمعية الثقافة والفنون في الدمام عن سيطرة الإنشائية واستحواذها على العمل الصحفي المحلي. (الشريان، 1995).
 وهي تتسرب بالضرورة من خلال الخبر والتقرير والتحقيق وبقية أشكال العمل الصحفي، فتأتيك المادة باهتة، لا تشبع نهم القارئ، ولا تعكس القدر المطلوب من المهنية. 
ومن اليسير أن نلمح ذلك من خلال صيغ وقوالب جاهزة، تتسرب في سطور هذا الخبر أو ذاك التقرير، فالاجتماع المنعقد "ناقش القضايا التي تهم الطرفين". لكن لا أحد يمكنه أن يفيدك عما يهم الطرفين حقا، ولا حتى ما يهم القارئ أن يفهمه حول خلفية لقاء هذين الطرفين. 
وأسهل ـ بل أخطر شيء ـ أن تصاب المطبوعة بالعجز عن المواكبة الحقيقية للأحداث، رغم ثرائها، ورغم أن المعلومات التي تغذيها ملقاة على قارعة الطريق لمن يريدها، مثلما هي بعيدة المنال لمن يختلق العوائق التي تجعله يستسلم لما هو متاح. باعتبار أن الصحفي الجيد"لا يسمح لنفسه أن يضع جملا من نسج خياله" (صابات، 1985). 
والمشكلة في الإنشائية لا تنبع من قلة العمل، إذ إن العمل الصحفي، حتى وإن كان شاقا ومهدرا للجهد والوقت، لكنه لا يعطي ثماره إلا لمن يملك رؤية واضحة لما يريد، وكيف يحقق ذلك. وهذه المثالب تعاني منها وسائل الإعلام العربية، حتى فيما يتعلق بأسلوب المقابلة الصحفية واستضافة الشخصيات المهمة. 
والعنصر الأساسي في هذا الأمر، يتمثل في وجود فكرة واضحة، يدعمها تخطيط واع، وأدوات جيدة تستطيع ترجمة الأفكار بشكل دقيق، أو على الأقل في صورة مقاربة.(فارسي، 1987) 
وفي كل الصحف، يكون رئيس التحرير مشغولا برسم الخطوط العامة، ودعم الجريدة بالكوادر المتميزة، فيما يتولى فريقه ترجمة ذلك إلى خطط تضمن تسيير العمل وتطويره.(ابن عباس، 2000). والوقود الحقيقي لكل ذلك هو الفكرة، إذ تمثل العمود الفقري الذي يتم على أساسه رسم زاوية التناول، والطريقة، والأدوات التي سيجري استعمالها في ذلك. سواء من خلال عمل واحد، أو سلسلة من الأعمال التي تبدأ بالخبر والتقرير والصورة الصحفية والحوار والمقالة، التي يفترض أن تتواكب مجتمعة، لا عن طريق مبادرات الكتاب فحسب، ولكن من خلال حفزهم ولفت انتباههم إلى الزوايا التي تغيب عن أذهانهم، بحكم عدم ملامستهم العمل اليومي وانغماسهم فيه. 
وهنا تبرز الحاجة لضابط الاتصال الذي يراقب الإيقاع ويثريه بكثير من اللمسات التي تعطيه بصمة المطبوعة وإحساسها بالأحدث.خاصة في ظل عدم وجود توصيف ثابت وفصل دقيق في مختلف صحفنا، يبين مهام نائب رئيس التحرير وإدارة التحرير وسكرتارية التحرير أيضا. بل وحتى رؤساء الأقسام. ومن المهم أن تكون الخطوط الفاصلة واضحة بين ما يقوم به نائب رئيس تحرير وآخر. ومثل ذلك بالنسبة للمناصب الأخرى. والإشكال الخطير أن تجد تداخلا مخلا في المهام والواجبات، تفرضها في بعض الأحيان ظروف موضوعية، أو غير موضوعية أيضا. إذ إن المسألة بيد قائد الفريق، الذي يمنح الصلاحيات، ويخول بعض صلاحياته لمن يتوسم أنهم يترجمون ما يريده، وليس شرطا أن يكون ما يريده خاضعا لمعيار مهني بحت. 
ويمكن القول إنه وسط حمى انشغال الفريق الإداري للصحيفة، بترجمة الخطوط التي يضعها رئيس التحرير، تبدأ مرحلة التنازلات التي تتوالى استجابة للواقع اليومي. ويتكرس هذا الأمرـ ما لم يتم تداركه ـ حتى يصبح واقعا معاشا، تدفع الصحيفة ثمنه، وينعكس على جودة ما تطرحه للقارئ. 
هنا يجد رئيس التحرير وفريقه، أنفسهم يغوصون في المشكلات الصغيرة، فتتحول الاستراتيجيات إلى مجرد خطط تكتيكية، تسعى لمواجهة الانحدار، ولكنها لا تتمكن من وقفه، وتتحول المسألة إلى ما يشبه السباق بين مجموعة من الجياد المرهقة، التي قد تواصل الركض، لكنها لا تحقق ما تتمناه. وهذا له علاقة بالدرجة الأولى بغياب التخطيط، باعتبار أن التخطيط أولى خطوات النجاح(شيرمان، 1421)


إعادة صياغة الأدوار

في ضوء هذه الإشكالية، يبدو هنا تساؤل مهم: هل يمكن أن تستمر الصحف في سلوك هذا الطريق؟ 
والاستفهام السابق يضعنا أمام سؤال أكثر أهمية: هل من سبيل للقضاء على العشوائية، التي تتسم بها عملية التعامل مع صناعة الفكرة في بعض الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية وحتى الشهرية والدورية؟ 
والأمر في هذه الحالة يتطلب إعادة صياغة الأدوار، بل وإعادة الاعتبار للفكرة وكيفية توجيهها، ورصد طريقة تنفيذها، ومراجعتها قبل وبعد النشر، ليس بغرض الرقابة المحضة، وإنما لضمان هامش واضح من الجودة والتميز. 
إن تمييع الفكرة، وتشتيتها بين أطراف عدة يجعلان الأمور تتباين، وتخرج عن سياقها الصحيح. وفي استقراء لواقع صناعة الفكرة الصحفية في عدة صحف، من خلال التخاطب مع عشرة من المعنيين بهذا الهم، يتضح أن صناعة الفكرة حاليا، وصياغتها، هما نتاج عمل فردي يطلب من الجميع. بينما يفترض أن يضاف إلى ما هو موجود، قسم مختص باصطياد الأفكار وبلورتها حتى تصبح صالحة لأن تكون عملا يليق بقارئ الصحيفة. وشملت العينة: رؤساء تحرير، نواب رئيس تحرير، مديري تحرير، ورؤساء أقسام. 
وكانت المحاور الأربعة المطلوب الإجابة عليها، هي: 
_ كيف تتم صياغة الفكرة في مطبوعتك؟ 
_ هل يشاركك أحد في صياغة الفكرة؟ 
_ ما أبرز المهام والواجبات التي تؤديها؟ 
_ ما العوائق التي يواجهها نجاح الفكرة الصحفية الجيدة؟ 
وبشكل عام، تأكد لدي الانطباع أن الفردية هي الطاغية، وأنها لا تمنح الصحيفة ـ مع الركض اليومي ـ ما تتمناه من تفرد. واكتشفت أن البعض يعتبر أن الانفراد بتأدية العمل يمنح المرء التألق، ونحن نعاني من هذه السلبية، في جسمنا الصحفي، بشكل ملموس، والمبرر الذي ساقه أحد المشاركين في الإجابة " من حق المرء أن يحتفظ بالحد الأدنى من أحقيته في النجاح، في وقت لا يتقاسم فيه البشر سوى النجاح، بينما يتبرأون فيه من الفشل".


الفكرة الصحفية

من الضروري هنا التدقيق في ماهية الفكرة، وهذا شأن أشبعه علماء اللغة بحثا، وتمحيصا فالفكر عند ابن منظور يعني "إعمال الخاطر في الشيء" (ابن منظور، 1969) وفي "مختار الصحاح" وتحت مادة ف ك ر : (التفكر) التأمل والاسم (الفِكْر) و(الفِكْرة) والمصدر (الفَكْر) بالفتح وبابه نصر. و(أفكر) في الشيء، و(فكّر) فيه بالتشديد و(تفكّر) فيه بمعنى. ورجل (فكّير) بوزن سكّيت كثير التفكر. (الرازي، 1979). ومنها الفكرة، وجمعها أفكار. 
والفكرة الصحفية هي ذلك الموضوع الذي يأتي نتاج متابعة وقراءة وتفحص واحتكاك بكافة شرائح المجتمع، وأوعية المعلومات، والقراء...الخ. وهو عمل عمدي القصد منه الخروج بفكرة جديدة. 
وفي الشأن ذاته، فإن صانع الأفكار الصحفية ـ كما ألمحت سابقا ـ هو ذلك الشخص الذي تتركز مهمته في اصطياد الأفكار الصحفية والدفع بها إلى التنفيذ. يمكن أن يكون هذا الدور لمجموعة من الأشخاص وليس لشخص واحد. لكن الشرط الأهم التفرغ لهذا العمل دون الانشغال عنه بمهام أخرى. وتبدو الحرفية في هذا الأمر من خلال الامتزاج بين الأفكار الآنية والأفكار بعيدة المدى، بحيث تتناغم هذه الخطوات عبر فعل يجعل المتابع يجزم أن وراء ما يلمحه من نجاح، فريق متكامل من العاملين، يقودهم رئيس تحرير ناجح وحصيف، يدرك ما يجب عليه تجاه النأي بمطبوعته من أي انحدار يمكن أن يقع. ليس من خلال الاستغراق في التفاصيل الدقيقة بل بتوفير الأذرعة اللازمة لضمان انسياب العمل اليومي بسلاسة، وبأسلوب يتوخى التوفيق ويراهن عليه. ويستخدم الحزم إن لزم ذلك. 
واتضح أن هناك شعورا مشتركا بالفراغ والإرباك الذين يتسبب فيهما عدم وجود من يتفرغ للتفكير، دون الولوج في المشكلات اليومية. وهنا ليس شرطا أن يكون الشخص قياديا، بحكم أنه سيرتبط بالأذرعة الإدارية بشكل أو بآخر، وإن كان الأفضل أن يكون صاحب صلاحية تتيح له مساحة جيدة في الحركة، بالتفاهم مع رئيس الفريق.(أدهم، 1984).


مسائل بدهية

لم يكن العمل الصحفي، في يوم من الأيام، مجرد فعل آلي خال من الفكر. 
ويفترض القيادي الممارس، أن الأشياء ذات معان ومدلولات، سواء فيما يتعلق باختيار هذا العنوان أو ذاك، أو بالشكل العام للمطبوعة. 
وعندما تقرر جهة إصدار مطبوعة أو تطويرها، فإنها تطرح على نفسها أسئلة تبدو صعبة بالنسبة لمن ينشدون النجاح. ومن أهم هذه الأسئلة: من نحن؟ ومن نريد أن نخاطب؟ 
وحين تنسى تلك الجهة طرح هذا السؤال، أو يغيب عن ذاكرتها في فترة من الفترات، فإنها بشكل أو بآخر تدخل مرحلة الاضمحلال والضمور. 
وموت الصحيفة أو ضمورها، أمر وارد في أي لحظة. ويؤثر في ذلك عدة أمور، يتشارك فيها الإدارة والتحرير. وأحيانا يكون المناخ العام دافعا نحو الضمور. 
وبشكل عام فإن التجارب التي نشهدها تمنحنا فرصة لرصد إجابات من أسئلة مهمة بينها: 
ـ كيف تسهم إدارة المؤسسة الصحفية في الدفع بالمطبوعة أماما، أو الإلقاء بها إلى الخلف؟ ونحن هنا نتحدث عن فعل عفوي غير مقصود، فليس ثمة من يرغب في مصادقة الفشل، ولا الإسهام في صناعته. 
إنما هناك من يستحوذ عليه مثلا التوفير المالي، لتفقد المطبوعة يوما بعد الآخر زمام المبادرة التي تتوارى مع غياب الحافز، وانتشار المخاوف من المستقبل بين العاملين. خاصة إذا ما وصل الأمر إلى التشكيك في خيارات إستراتيجية بالنسبة للمطبوعة، لكنها ربما لا تمثل من وجهة نظر الإدارة سوى عبئ مالي إضافي. 
ـ كيف يخلق رئيس التحرير بالكادر الذي معه، الشخصية التي تميز مطبوعته الصحفية عن أخرى، بحيث تدفع هذه الشخصية المميزة المطبوعة لتكون ضمن الخيارات القريبة للقارئ؟ 
ـ كيف تتحول القطاعات الإدارية والتحريرية إلى كوكبة تسعى للنجاح، وتسوّق له من خلال فعل واع للعمل الصحفي، الذي يستهدف تحقيق النجاح، مع وجود فهم مشترك وتبادل متناغم للأدوار؟ 
ـ كيف يتم قياس الجودة من عدمها في أقسام الجريدة، وكيف يتم التأكد من استمرار ضخ المزيد من الأفكار التي لا تستحوذ عليها فكرة الشكل فقط، بل تغوص في المضمون أيضا؟ 
هذه مجرد نماذج، ... والإجابة عن الأسئلة المطروحة، تفضي إلى إيجاد وعاء يمكن من خلاله أن تتجاوب المطبوعة مع متطلبات ورغبات القارئ.


مرحلة تتسم بالتحديات

ولعل المراقب لهموم المهنة الصحفية، يجد أن البون شاسعا بين عدة مدارس صحفية، في طريقة ممارسة العمل، وإدارته، وترجمته إلى واقع. وهذه المدارس هي نتاج ممارسة وخبرة بالدرجة الأولى، تمتزج بشيء من الحس الإداري، والاستحضار الدائم لحاجات القارئ وتطورها. 
ولم تعد مسألة الإجابة عن الأسئلة الستة التي يضعها منظرو الإعلام هي الملاذ الوحيد، الذي يمكن من خلاله ضمان إيجاد قصة صحفية حقيقية. أو لنقل إن التعامل معها، أصبح متسما بأكثر من متغير.(أبو زيد، 1993). 
وأبرز هذه المتغيرات، أن صحافة العالم كله أصبحت بين يدينا. متجاوزة من خلال ذلك عوامل عدة من بينها الوقت والحدود...الخ. وهو واقع جاء انعكاسا لما تتيحه الإنترنت من فضاءات أمام الصحافة المكتوبة، 
ناهيك عن الصحافة الإلكترونية التي تتخذ من الإنترنت بيئة وحيدة لها، وهنا لا نملك إلا أن نشير إلى تجربة جريدة "إيلاف" الإلكترونية التي يجيب من خلالها ناشرها ورئيس تحريرها عن سؤال أساسه: من نحن؟ وماذا نريد؟ (العمير،2002). 
وهو من خلال هذه الإجابة يكشف الهاجس الذي كان ولا يزال يستحوذ على المتعاملين مع الصحافة الورقية، بشأن آفاق المستقبل. ويعبر عن آماله "في ملء فراغ ما في ساحة الإنترنت" (العمير، مرجع سابق). 
ووضعت "إيلاف" من خلال نسق خاص بها صيغة تحاول من خلالها أن تكون جريدة العرب على الإنترنت. ونحن هنا لسنا معنيين بمسألة حجبها في أكثر من بلد عربي، باعتبار أن الورقة هنا تستشهد بها كمثال فقط. وثمة أمثلة شتى لتجارب ناجحة، بينها تجربة جريدتي "الشرق الأوسط" و"الحياة" (أبو زيد، مرجع سابق). ناهيك عن تجارب المؤسسات الصحفية المحلية، ولعل أنضجها في رأيي تجربتا "الرياض" و"الجزيرة". 
وحتى بعض المنتديات أضحت تمثل تحديا قويا أمام الصحف، باعتبار أنها تتضمن شكلا من العمل الصحفي سواء من خلال المقالة، أو بعض أشكال الإخبار والإعلام عن حادثة معينة. وأصبحت هذه المنتديات والمواقع تتفنن في إبداعها، الذي ربما نتفق أو نختلف معه، بل وصل الأمر في موقع "الإقلاع" ـ على سبيل المثال ـ إلى تقديم الأخبار السياسية باللهجة المحكية. مع تطعيمها بجانب من الطرح الساخر. (إقلاع، 2003). 
إذن أصبح عنصر الإبداع من العناصر المؤثرة، وأصبح حجم الإحساس به أكبر من السابق. 
وزاد من حدة هذا الأمر، مزاحمة الصحافة المرئية، التي استفادت بشكل أو بآخر من الصحافة المكتوبة، سواء من خلال العاملين فيها ـ إذ إن نسبة كبيرة منهم كانوا صحفيين ـ أو حتى من خلال زيادة الجرعات الخاصة بالأشكال الصحفية المختلفة بدءاً من الخبر ومرورا بالتحليل والتقرير والتحقيق والحوار. ولو تابعنا تجربة قناة "العربية" على سبيل المثال، لاكتشفنا أنها استقطبت جزء كبيرا من كوادرها بالاعتماد على الجسم الصحفي. والأمر نفسه طبقته قناة "الجزيرة" منذ انطلاقتها إذ إن نسبة غير قليلة من المذيعين والمراسلين والمحللين، خرجوا من عباءة الصحافة.(السهيل، 2003) 
ويمكن القول إن التلفزيون تخلص، بعد فترة طويلة، من كثير من تقاليده، واستورد تقاليد الصحافة الورقية، مع تطعيمها بالمزايا الأخرى التي تتعلق بالعمل المرئي. 
هذه المؤثرات وسواها، وضعت المهنيين أمام تحد حقيقي. وزاد السؤال المؤرق: 
ـ ماذا يمكننا أن نقدم للقارئ؟ 
ـ كيف نثير شهيته؟ 
ـ كيف يمكن أن نحقق التميز الذي يجعل القارئ يقتنع أن لدى هذه المطبوعة أو تلك شيئا مميزا يحفزه على الشراء ومن ثم القراءة؟ 
أسئلة عديدة، محورها محاولة الوصول إلى حالة الرضا. 
و يمكن فهم مؤشرات هذه الأسئلة ومغازيها، من خلال النظر إلى أرقام التوزيع، التي تكشف بالدرجة الأولى مفاجآت لافتة. بينها أن القارئ، لم يعد ذلك الشخص الذي كان يمنح ولاءه المطلق لهذه المطبوعة أو تلك، إذ إن عصر الولاءات المطلقة بدأ يتلاشى. 
ما زلنا إذن نرصد سلسلة تحديات، تواجهها الصحف، ولا بد من أن تتخذ حيالها موقفا ضروريا، يساعد على الارتقاء بالجانب المهني. 
وهذا الأمر تحقق بشكل أو بآخر من خلال أكثر من محور، بعضها شكلي، يتمثل في الاهتمام بالنواحي الإنتاجية والطباعية بالاستفادة من أرقى التقنيات في هذا المجال، بما في ذلك إدخال عنصر الألوان في معظم الصحف المحلية، ومن لم يلحق بالركب يفترض أن يحقق ذلك في غضون أشهر قليلة. 
أيضا يلاحظ أن الأداء أصبح نوعيا، خاصة في عدد من الصحف، بحيث يمكن من خلال هذا الأداء النوعي كسب ولاء القارئ.


مظاهر التجاوب مع التحديات

ومن أجل تحقيق هذا الأمر، شهدت صحف محلية سلسلة تغيرات في السنوات الأخيرة تمثلت فيما يلي: 
أولا: إعادة النظر في تبويب الصفحة الأولى، وأصبحت تضع ضمن أولوياتها الأخبار التي تعني القارئ، وتمس مصلحته الشخصية بالدرجة الأولى. إضافة إلى تغطية الجانب الرسمي المحلي. 
ونكاد نلمح هذه المظاهر من خلال أكثر من صحيفة، فالصفحة الأولى في "الجزيرة" أو "الرياض" أو "الوطن" أو "عكاظ" ـ على سبيل المثال ـ لم تعد كما كانت منذ زمن غير بعيد. 
إذ طغى الشأن المحلي، وأصبح يزاحم شؤون أخرى كانت تمثل ثوابت في الصفحة الأولى للصحيفة اليومية. وهنا يجبرنا الإنصاف على القول، إن "الاقتصادية" من الصحف التي أسهمت في تأسيس هذا المفهوم الخاص باهتمامات الصفحة الأولى، واستمرت عليه. وقبلها كانت هناك محاولات غير ثابتة في صحف عدة أبرزها "الرياض" و"عكاظ". ويمكن القول حاليا إن معظم الصحف ـ كل من زاويته ـ تتنافس في هذا المجال. 
ثانيا: إعطاء القارئ عنصرا إضافيا وعناية أكبر من خلال إعادة الاعتبار أيضا إلى رسائل القراء. باعتبارها المادة التي تحمل نبضه. وأفردت صحف كثيرة ـ بعضها كانت لا تلقي بالا للبريد ـ صفحات متعددة لهذا الغرض. 
ثالثا: إعادة النظر في حاجات المجتمع الحقيقية، ومحاولة تناول هذه الحاجات، من خلال تحقيقات تتلمس جوانب النقص في الخدمات...وتواجه المسؤولين عن ذلك. وهذه الصيغة رغم أنها كانت موجودة في السابق، إلا أنها تطورت في الآونة الأخيرة بحيث غدت سمة تتميز بها الصحف الناجحة. 
رابعا: الخروج من نمط الحوار الصحفي التقليدي، أو حتى الحوار الترفيهي، إلى المواجهة ومحاولة تسمية الأشياء بأسمائها. وبدأنا نقرأ حوارات، لا يمارس من خلالها الضيف مصدر الحقيقة، والصحفي مجرد وسيلة نقل لهذه الحقيقة، إذ يحاور ويناور من أجل أن ينتزع معلومة أو اعترافا لافتا. ورغم أن الأمر تكتنفه صعوبات جمة، بسبب عدم استجابة معظم المصادر لهذه المسألة، إلا أن حوارات من هذا النوع أسهمت في تشجيع آخرين على خوض التجربة. والأكيد أن الأمر يعتمد بالدرجة الأولى على مصداقية الصحفي، ومقدرته على إقناع ضيفه أنه لا يريد الإيقاع به، بقدر ما يتيح له أن يبدو أمام الناس بشكل مختلف عن الصيغة التي تعود الناس من خلالها على حوارات نمطية تخلو من سؤال يحفز المسؤول على الإجابة ويشجعه على التبسط مع الصحفي وإعطائه المزيد من المعلومات. 
خامسا: الاستفاضة في تناول بعض القضايا الأمنية، بشكل أسهم في مسابقة ـ أو على الأقل مواكبة الإعلام الخارجي ـ خاصة فيما يتعلق بالقضايا التي تتعلق ببعض التفجيرات أو الحوادث الأخرى. وأصبحنا نلمح تميزا وتنافسا بين الصحف، في الوصول إلى المصادر التي تملك المعلومة، ومن ثم لم يعد مستغربا أن تجد صحيفة تتمكن ـ بدأبها ـ من الوصول إلى ما لم تصل إليه صحيفة أخرى، سواء من خلال تصريح تنفرد به لسمو وزير الداخلية ـ على سبيل المثال ـ أو أي مسؤول آخر. 
سادسا: إعطاء المزيد من المساحات لعنصر الصورة، وجعلها تتسيد مساحة أكثر مما كانت عليه في السابق. وهذا عنصر مهم ساعد على إظهار بعض العورات والعيوب، بل وحتى الإيجابيات، ولكن من خلال حس صحفي ورؤية مميزة تجعل الصورة مادة أولى، تغني أحيانا عن الكثير من الكلمات. وهنا من الضروري أن نشير إلى نماذج محددة تتمثل في صحف "الوطن" و"عكاظ" و"الاقتصادية". 
لكن الإشكالية، أن حدس المراقب لا يخيب، إذ سرعان ما يكتشف أن هذا الانطباع، لا يمكن التعامل معه باعتباره مسألة حتمية. فقد تراقب صحيفة ما فترة أسبوع أو أسبوعين أو حتى شهرا كاملا لتكتشف ثباتا، لكنك تفاجأ أن هذا الثبات يتأرجح. 
بل إن مقاييس التعامل والتفاعل مع حدث ما، ليست متوازية مع حدث آخر مواز له. 
والمسألة ليست ناتجة عن فكر أو رؤية واضحة للعمل. إنما هي بالمجمل نتاج اجتهاد، أو سوء تخطيط، أو حتى غياب استراتيجية واضحة. بل يمكن القول إنها نتاج غياب رقابة واضحة لمسألة الجودة وسواها من أمور. والذي يحدث أن هناك جملة إشكالات تؤدي إلى هذه المسألة. 
وأجمعت العينة المختارة على أن أبرز العوائق التي تؤثر في جودة العمل الصحفي، وتؤدي إلى الإخفاق أحيانا في تجربة والنجاح في تجربة أخرى تشمل ما يلي: 
1. قصور الكادر التحريري، وتفاوت أدائه، خاصة فيما يتعلق بالمراسلين، في المناطق النائية، وهو أمر ينتج عنه ضعف شديد في المادة المتوقعة. وبالتالي تفاوت في التفاعل من مكان إلى آخر. 
2.عدم تفرغ جزء كبير من الصحفيين العاملين في الميدان، وهذا الأمر يجعل الرهان على التفاعل مع حدث يبقى محصورا بخيارات ربما لا تحقق الغرض المنشود. 
3. غياب المصور المتمرس الذي يستطيع أن يكون محور ارتكاز تعتمد عليه الجريدة من أجل رصد الكثير من التفاصيل. وغالبا ما يصبح حجم الخيبة أكبر، خاصة في حالة وقوع الحدث في مكان ناء، ويبعد عن المركز الرئيسي للصحيفة. 
4. استحضار الجانب المادي، وهي مسألة تحد أحيانا من طموحات تطعيم التحرير في المناطق النائية بعناصر أفضل. وأمام ذلك يغدو الخيار أمام هذه الصحف محدودا بالاكتفاء بهذا المراسل، أو ذاك، وهو أمر تحكمه مسائل محاسبية بالدرجة الأولى. وأتاح لي رئيس تحرير في مطبوعة، ونائب رئيس في مطبوعة ثانية مراجعة قوائم أسماء عدد من المراسلين الصحفيين في الصحيفتين، واتضح أن رواتب هؤلاء تكاد لا تفي بالحد الأدني. فالمتوسط هو 1500 ريال، وبعض هؤلاء الذين تتصدر أسماؤهم الصحف للتعبير عن مناطقهم يتم التعامل معهم بنظام القطعة الصحفية. وغالبا ما يكونون من موظفي العلاقات العامة في إحدى الجهات الحكومية في تلك المناطق. وهذا المراسل يمارس دور مدير المكتب والمراسل وأحيانا السكرتير والمحاسب أيضا في المسائل الإعلانية. 
5.عدم العناية بالمعلومة، والاكتفاء بالمتوافر منها، وهنا تبرز لنا حقيقة أدركها بولين آثرتون، إذ لا قيمة للمعلومة "طالما لم يستفد منها أحد". وعلى ذلك يمكن تقرير "أن المعلومات ما لم يستفد منها الصحفي آنيا فإنها تصبح بلا قيمة فعلا" (ابن عباس، مرجع سابق). وفي رأيي أن الضابط في هذا الأمر أن يكون هناك إصرار على المعلومة، التي تقصي الحالة الإنشائية في صحافتنا المحلية.


غياب صانع الأفكار

من خلال توصيفنا للفكرة, والصورة المثالية لصناعتها، يمكن أن ندرك كيف يلقي هذا الأمر بعبئه على رئيس التحرير، إذ يجد نفسه بين خيارين أحلاهما أمر من الآخر: 
ـ الخيار الأول: الغوص في التفاصيل والجزئيات الكثيرة للعمل، ومن ثم الانشغال عما هو داخل في صميم عمله الحقيقي، ليتحول إلى ممارسة دور إدارة التحرير. 
ـ الخيار الثاني: الاستسلام للأمر الواقع، والبحث عن مشجب يتم تعليق الأخطاء عليه، مع ما يحمله ذلك من عواقب أقلها أن تسجل المطبوعة تراجعا متواصلا في متابعة المجريات اليومية. 
وغالبا ما يلجأ التحرير إلى رمي كل أخطائه ومصائبه على الإدارة، علما أن الإدارة تتحمل جزءا، لكن ذلك لا يمنح البراءة للتحرير، إذ إن تجارب مزج إدارة المؤسسة ورئاسة التحرير وإن كانت نجحت في مطبوعات، لكنها لم تحقق أدنى نجاح في مطبوعات أخرى، وهذا كاف للتدليل على تقاسم الطرفين جريرة الفشل مثلما يتقاسمان فاكهة النجاح. 
وينبغي ألا نسرف في التفاؤل، حتى في حالة وجود صانع الأفكار المتميز، الذي يعمل ضمن الفريق، ومهمته الرئيسية تتمثل في بلورة الأفكار، التي تصب لديه. إذ حتى الأفكار الجيدة لا يمكنها أن تحقق نجاحا، ما لم يوجد المحرر الذي يتمكن من تنفيذها بشكل مناسب. 
وهاتان الإشكاليتان إحداهما تتضاد مع الأخرى. وفي حالة عدم وجود من يفكر ويخطط بشكل سليم، وغياب المحرر القادر على أن يفكر أيضا، تخضع الجريدة ـ عدا حالات نادرة ـ للمبادرات الذاتية من المراسلين والمحررين الميدانيين. 
وهنا يمكنك أيضا أن ترصد ما يلي: 
أ‌. موضوعات موسمية مكررة يتسابق إليها مراسلون من صحف مختلفة على غرار بدء الموسم الدراسي، أو ظهور بعض الفواكه،...الخ. بل حتى الموضوعات الجوهرية، تتحول بين يدي صحفي بليد، وصحيفة تعاني من الضمور، إلى فكرة ميتة، سرعان ما يلفظها القارئ، لأنه سبق أن قرأها عشرات المرات في اكثر من مطبوعة. وخذ "السعودة" مثالا على ذلك، إذ ليس ثمة مطبوعة محلية لا تكتب عن السعودة، لكن أي موضوع عالق في الذهن من هذه الموضوعات؟ إنه الموضوع الذي يأتيك من زاوية غير مباشرة، أو الذي يكشف لك أرقاما فاجعة عن نسب البطالة وسواها. 
ب‌. موضوعات فيها قدر كبير من الذاتية، على غرار تلك الموضوعات التي تتحدث عن تجارب مع المرور أو الخطوط السعودية، إذ تتحول القضية إلى موضوع صحفي. وهذه تعج بها كل صحفنا دون استثناء، وبعضها تحتل مساحات طويلة. وهناك صحفيون وكتاب زوايا يمزجون بين الشخصي والعام، ولهذا تختلط لديهم الأولويات إذ إن تأخيره عن رحلة للخطوط السعودية ربع ساعة أو أقل أو أكثر، يمثل بالنسبة إليه قضية مهمة. لكن مسألة حرمان موظفي الصيانة في جميع المناطق ـ في قطاع مهم _ من التمتع بإجازاتهم لا تستلفت انتباهه، لأن الأمر لا يمسه بشكل شخصي. وهكذا تتسطح الأفكار، في الصحف المتعبة، لأن الأمر أيضا لا يخضع لضابط واضح يفصل بين الخاص والعام، أو على الأقل يطور الخاص كي يرقى إلى أن يكون موضوعا تتم مناقشته باعتباره موضوعا عاما. 
هنا تبرز أهمية وجود الفكرة، إذ مع توفر الفكرة الجيدة، يمكن أن تكون الموضوعات المناسباتية فرصة رحبة لمناقشة موضوعات وقضايا مهمة مع عدم التخلي عن خيار التميز، الذي يأتي من خلال رصد الموضوعات، والبحث عن أفكار تواكبها. 
ولعل المراقب، لن يعدم أن يرصد أكثر من صحيفة تعاني أصلا من غياب الأجندة الخاصة بالمناسبات والأولويات. 
بل إن قطاعات لا تنفك تكرر تبرمها من بعض الصحف، نتيجة غياب التخطيط للمناسبات. ومن تلك الأمور التي ترصدها أجهزة العلاقات العامة وتكاد لا تدخل إدارة من تلك الإدارات إلا وتسمع جملة من القصص والشواهد الشبيهة: عندما تقرر الصحيفة الفلانية أن تتابع موضوعا معينا قبل المناسبة بـ 24 ساعة وأحيانا أقل، بينما المعلومات حول الحدث وموقعه موجودة قبل هذا بفترة كافية. المتغير الوحيد، أن المعني بالتخطيط والمتابعة اكتشف أهمية المناسبة، وقرر قبل الحدث بساعات أن يسابق الزمن. 
هنا نشهد بكل أسف تكالبا على المادة الجاهزة، وغير المبذول فيها أي جهد. وغالبا ما يذيل كل ذلك باسم المحرر، الذي لم يكلف نفسه سوى عناء الذهاب لإحضار المادة والصور، هذا إن لم يتم إرسالها إليه في مكتبه. 
ومن خلال معضلة كهذه تبدو أهمية صانع الأفكار، وهي مهمة لا بد أن يضطلع بها شخص بل أكثر داخل الصحيفة، مع تفريغه لهذا الأمر، وعدم تهميش المسألة، أو منحها لشخص ربما لا يدرك أهمية المكان الذي يتصدى له. 
وعلى رئيس التحرير، أن يكون مدركا أهمية هذا الإنسان، وأن يضيف إليهم أناسا آخرين، يصبحون جزءاً مهما من إدارته، ويتمتعون بالمزايا التي تحفزهم على أداء أدوارهم بالشكل الذي يحقق النجاح للمطبوعة. 
وأفترض أن تتمتع الجريدة بأكثر من شخص تتركز مهمته في الخلود إلى الكم المتاح أمامه من وسائط الإعلام وأوعية المعلومات المختلفة. إضافة إلى صياغته أجندة واضحة تتعلق بالأحداث مع تقسيمها حسب ثباتها وأهميتها على مدار العام. 
بعد ذلك يأتي دور إضافة أي أحداث تستجد من خلال ما يرد عبر وسائل الإعلام المختلفة، أو بقية أوعية المعلومات الأخرى. 
وهنا تنتهي المرحلة الأولى من عمل صانع الأفكار. وهي بالمناسبة مرحلة متجددة وليست مقتصرة على وقت أو فترة معينة، بل هي مستمرة. 
أما المرحلة الثانية فتتمثل في ترجمة كل هذه الأمور على هيئة خطط طويلة وقصيرة، يتم من خلالها اقتراح خطة توضع بين يدي رئيس التحرير تتعلق بالآتي: 
أولا: تحديد أبرز الموضوعات التي تحتاج إليها الجريدة، وتأخذ هذه الخطة شكلا شهريا ودوريا. 
ثانيا: تحديد الموضوعات أو المناسبات التي تحتاج لانتداب شخص من الجريدة لمتابعتها، إضافة إلى رصد الدعوات التي تصل للجريدة وتوجيهها نحو وجهتها السليمة.


ماهية الفكرة الصحفية؟



علينا هنا أن نتفق على أن الفكرة الصحفية هي مجموعة النقاط التي يضعها أو يقترحها رئيس التحرير أو نائب رئيس التحرير أو مدير التحرير أو المشرف على هذا القسم أو ذاك ..الخ. ويطالب بتنفيذها من خلال العناصر التي يتم تحديدها سلفا. 
مع اقتراح ملامح مهمة تتعلق بتحديد ما هو مطلوب الوصول إليه. إضافة إلى المصادر التي يمكن استقاء مزيد من المعلومات من خلالها. 
ويمكن أن تتم صناعة الفكرة في البداية من خلال شخص واحد، ولكن من الضروري أيضا أن تكون هناك رؤى لأشخاص آخرين يدخل من ضمنهم المحرر أو المحررون الذين يفترض أن يباشروا التنفيذ. 
وهذه يمكن الوصول إلى صياغتها من خلال الاجتماعات التي تعقدها الإدارة في الصحيفة، والتي يتم من خلالها بلورة هذه الأفكار، ومن ثم توجيهها للأقسام لمتابعتها. مع عدم التخلي عن الدور الرقابي لمسألة التنفيذ الذي ينبغي أن يكون محددا في فترة زمنية معقولة. 
وفي رأيي أن أبرز مزايا الفكرة الجيدة ما يلي: 
1. الجودة والجدة في الطرح والتناول. 
2. القابلية للتنفيذ، وعدم وجود ما يعيق. 
3. إفساح الفرصة المناسبة من ناحية الوقت للتنفيذ. 
4. إتاحة الإمكانات المادية والمعنوية التي تجعل النجاح يغدو مميزا. 
ويساعد وجود الفكرة المميزة فيما يلي: 
أولا: تخفيف الضغط على المطبوعة، بحيث تكون مهيأة للمناسبات والأحداث قبل وقوعها بشكل كاف. 
ثانيا: إعطاء الفرصة لقيادات الجريدة لممارسة أدوارها القيادية، دون الانشغال في التفاصيل الصغيرة. 
ثالثا: الارتقاء بالمطبوعة وجعلها قادرة على التحرك بمرونة أكبر. بل وحتى مواجهة الأحداث الطارئة والسباقات اليومية بجياد نشيطة ومرتاحة وغير منهكة من كثرة الأعمال. 
رابعا: القضاء على التشتت وتوزيع المهام والجهود، بحيث لا يتم الجور على النشيط نتيجة نشاطه وتجاوبه مع ما تطلبه منه مطبوعته، في الوقت الذي يوجد فيه أفراد ربما يعانون من قلة العمل ويتعللون بعدم وجود أفكار أو مهام ملقاة على عواتقهم.


صفات صانع الفكرة

نستطيع هنا أن نضع جملة من الصفات التي ينبغي أن تتوافر في صانع الفكرة، بعضها يتعلق بالجوانب المهنية، والمعرفة التامة بعملية إنتاج المطبوعة. والبعض الآخر يتعلق بمهارات إدارية معينة لها علاقة بمعرفة كيفية إدارة الفريق. ومن هنا فمن الضروري أن يكون صانع الفكرة صاحب خبرة مميزة في العمل الصحفي بشكليه الميداني والمكتبي، إضافة إلى سلسلة من الصفات بينها: القدرة الذهنية، التمتع باهتمامات وطاقات واسعة، القدرة على التخاطب والتفاهم، النضج، القدرات الإدارية. (فتحي، 2000). ومن ذلك أيضا الإلمام بأمور عدة بينها: أهداف العمل الصحفي ومبادئه وغاياته، الهيكل التنظيمي للمطبوعة أو المؤسسة التي يعمل فيها، الواجبات والمسؤوليات، سياسات العمل وأساليبه ولوائحه وإجراءاته، مبادئ أساسية في الاقتصاد وأساليب الإدارة العلمية، التخطيط ووضع الجداول الزمنية للمراقبة، قوة الشخصية ومستلزمات تطويرها، فن التفكير المتجدد والإبداعي وأساليبه العلمية، مبادئ وأساليب العلاقات الإنسانية (فتحي، مرجع سابق). ويمكن القول باختصار أن من الضروري الاستفادة من كل أساليب تطوير المهارات الإدارية والإبداعية في رسم شخصية صانع الأفكار. (أبو شيخة، مرجع سابق).
التوصيات
ظهر فيما سبق أن غرق بعض الصحف، أو عدم ثبات مستواها، نابع بالدرجة الأولى من عدم وجود من يتفرغ لمنح الصحيفة أفكار جيدة، ويعيد صياغة ما يحيله عليه رئيس التحرير من أفكارا. إضافة إلى عدم وجود الأدوات التي تنفذ الفكرة بالشكل السليم، وعليه فإن هذه الورقة توصي بما يلي: 
1. من الضروري أن تنحو الصحيفة باتجاه تفريغ طاقم كامل لديها مهمته الأساسية صناعة الأفكار الصحفية. مع عدم انشغال هذا الطاقم بالتفاصيل اليومية الخاصة بإنتاج المطبوعة. 
2. منح هذا الطاقم إمكانات تتيح له الاستفادة من كافة أوعية المعلومات المطلوبة. 
3. منحهم صلاحيات ترجمة الأفكار، من خلال التخطيط لاستخدام كافة الأشكال والقوالب الصحفية. 
4. أهمية إشعار كتاب صفحة الرأي والزوايا في الجريدة أنهم جزء من الصحيفة، وإطلاعهم بشكل مستمر على خطط الجريدة والموضوعات التي ستحتل أجندتها قبل تاريخ النشر بفترة كافية. 
5. إعتبار القارئ عنصرا فاعلا، ومصدرا رئيسا للأفكار، سواء من خلال الاتصالات الهاتفية، أو الرسائل البريدية التي تتضمن في العادة هموما هي في أساسها مادة مهمة بالنسبة للمطبوعة، ويمكن أن تكون أساسا لموضوع لم تكن لتفوز به، في حالة عدم عنايتها بالقارئ. 
6. وعي رئيس التحرير بأهمية توظيف الكوادر التي لديه واستغلالها بالشكل المثالي، مع مراعاة وضع توصيف واضح للمهام، يضع ضمن الأولويات الفريق المعني بصياغة الأفكار. 
7. ربط هذا الفريق وإطلاعه بشكل دائم على مؤشرات التوزيع، موضحا فيها الأعداد الأكثر بيعا، والأقل، إضافة إلى تزويدهم بنسخ من رسائل القراء التي تتضمن ردود أفعال إيجابية او سلبية. 
8. تكليف الفريق بالاجتماع كل أسبوع على الأقل مع رؤساء الأقسام ـ على حدة ومجتمعين أيضا ـ في جلسة تفكير مسموع تتضمن مرئياتهم عن النتائج التي تم تحقيقها والعوائق التي واجهها مرؤسوهم للبحث في كيفية تذليلها. 
9. الإلحاح بشكل دائم، على ضرورة تخصص الصحفي، والقضاء بشكل تدريجي على الصحفي الشامل الذي تراه مشتتا، تارة يكون في مناسبة ذات طابع علمي، وأخرى تراه يغطي مناسبة ثقافية أو حتى ذات صبغة سياسية. 
10. إعادة النظر بين الحين والآخر في المزايا التي يحصل عليها الصحفيون كل في مجاله. والبحث دوما عن الحوافز التي تساعد على تجويدهم لأعمالهم، وحفزهم على تقديم المزيد من الأعمال. 
11. معاقبة الشخص المقصر في تنفيذ ما يسند إليه من عمل، إذ مع غياب هذا الحزم، يصيب السأم من يعمل، ولا يشعر بروح المنافسة. خاصة إذا كان ذلك مترافقا مع عدم وجود حوافز حقيقية. 
12. السعي الجاد لتطوير مهارات الصحفيين وترقيتها بكافة الطرق. من خلال معهد خاص لتطوير المهارات الصحفية المختلفة. 
13. تنفيذ سلسلة من الدورات للكادر الموجود في الجريدة في إدارة الوقت، وكذلك كيفية الاستفادة من أوعية المعلومات. 
14. عمل دورات صحفية للمراسلين في المناطق النائية، مع ضرورة ربطهم بالصحيفة عن طريق الإنترنت، والقضاء نهائيا على الرسائل الفاكسية، إذ إن المراسل الذي يرسل عن طريق الفاكس ، لا يبذل في الغالب جهدا في مادته، عدا عناء تسليمها من إدارة العلاقات العامة ووضع اسمه عليها. 
15. الالتفات إلى المصورين الموجودين في الصحف، وإعطائهم دورات صحفية، حتى يتمكنوا من تقدير أهمية الصورة باعتبارها عنصرا أهم في بعض الأحيان من المادة المكتوبة. 
16. زيادة البحث في كيفية تطوير الفكرة الصحفية وصناعتها، وعقد لقاءات دورية لكادر الجريدة من محررين وكتّاب لتقويم التجربة. 
17. اللجوء إلى ترجمة الدراسات والنتائج التي تكشفها شركات التوزيع، باعتبار ذلك من الوسائل المتاحة لمعرفة مزاج القارئ وتوجهاته.