الأحد، 20 ديسمبر، 2015

يا عمر : يغيب الأحباب ... فنذوي

نعم؛ أنا حزين؛ ... 
الموت حالة حداد. وحياد. ننظر له. نعرفه، يعرفنا. نهمس بكلمة الموت؛ ونحن بين الأمل والألم، بين الهلع والوجع. 
نعم؛ ... أنا حزين. أكتب لأنني حزين. تملأني الكآبة. الأحباب يرحلون. خبرتُ الموت، وعرفته. كنت صغيراً حينما فقدتُ أمي يرحمها الله. لم أكن أعي، ما معنى الموت. بكيتُ في اليوم الأول، لأن كل من حولي يبكون. ثم بكيتُ في اليوم التالي بحرقة، لأنني لا أرى أمي. اعتادتني الكوابيس لفترة طويلة. ثم تصالحتُ مع الحزن.
درجتُ في دروب الحياة. أدركتُ أن الموت يعني الفقد، الفراق، الغياب. والغياب داخل الغياب. غياب التفاصيل. غياب الشخوص. غياب الكلمات. غياب اللحظات السعيدة.
عندما كبرتُ، كنت على مواعيد مع الرحيل دون وداع. فقدت ابنتي لينا يرحمها الله في ليلة عيد. فانطفأت كل أعيادي بعدها، وعشت في غصة هذا الفراق، ونأيت بنفسي عن اللقاءات العامة؛ إلا ما كان يفرضه الواجب.
ثم في غياب آخر، وصلني خبر وفاة والدي يرحمه الله؛ فعدتُ منكسراً، حاملاً ضعفي وفجيعتي وألمي وحزني. 
ثم بدأت أفتقد أصدقائي، واحداً تلو الآخر. أعترف أنني انكسرت بغياب صديقي محمد أبو عمير. ولم أسلو.
ثم جاء رحيل صديقي عمر المضواحي المفاجئ، ليزيد يقيني أن الموت - مع التسليم بقضاء الله وقدره - لا مفر منه.
كنت وأنا أتحدث مع ابنتي رغد يحفظها الله، ولينا يرحمها الله، أقول لهما : أنتما عيناي التي أنظر بهما.
أعترف - وأستغفر الله - أنني لم أتخيل أنني سأفقد لينا، وكنت أتصور - وهذا من الأمل بالله سبحانه وتعالى - أنني سأرحل قبلها. واكتشفت أن فجيعة فقد الإبن أو الإبنة، لا يعدل مرارتها مرارة.
وكنت وما زلتُ أتقوى بعد الله بأسرتي وشقيقي محمد وأصدقائي اللصيقين.
وأحمد الله إذ أنعم علي بأصدقاء كثر، فقدت بعضهم، وما زلت أتوكأ على البعض الآخر.
وأصبحتُ أشد يقيناً وإيماناً بقضاء الله وقدره. تعلمتُ من الموت؛ وتألمت من الموت، ... وأيقنتُ أنه لا راد لقضاء الله.
وبعد يا صديقي عمر المضواحي : لم يكن هذا الصباح عادياً؛ فقد صحوتُ من نومي على كلمات العزاء، تملأ هاتفي.
وهممتُ أن أعود للنوم، فقد بدا الأمر وكأنه كابوس أليم.
أردتُ أن أصحو، وأستعيذ بالله من همزات الشيطان. ولكنني أيقنتُ أن الأمر حقيقي. عدت إلى شريط ذكرياتي. كلمات. ورسائل. وعود باللقاء. الأربعاء. نعم هذا الأربعاء. مضيت إلى مكتبي. ما زلتُ أتمنى أن يكون الخبر مجرد شائعة.
أردتُ صديقاً مثل صديقي محمد أبو عمير، يخطف الهاتف من يدي، ... كان الهاتف الذي حمل إلي نبأ وفاة ابنتي.
قال لي : إنها بخير. كنت أحتاج أن أصدق هذه العبارة. كنت أحتاج إلى هذه التخدير لوهلة. حتى أتهيأ للحقيقة. 
من الغريب، أننا نتعلق بالأمل، حتى ونحن على يقين أن الحقيقة غير ذلك. هذا ما كنت أحتاجه هذا الصباح.
كنت أتنقل بين وسائل التواصل؛ أفتش فيها عن شخص يقول لي؛ إن غياب عمر المضواحي مجرد إشاعة.
قلت إنني حزين؛ لأن عمر عنوان ثابت من عناويني في جدة؛ يأخذني في رحلة مدهشة، صوب جدة القديمة. يتحدث ونحن نغذ السير على أقدامنا، وأتعمد عدم مقاطعته؛ لأن شغفه بالأماكن القديمة يسحرني.
نختار مقهى أو مطعما في حارات جدة العتيقة. نثرثر في كل شيء. نلامس إحباطاتنا لنضحك. وتعف ألسنتنا عن الإساءة لهذا أو ذاك.
 لا أذكر أنه تغول على أحد. كتب مرة كتابة مدهشة، عن شخص فأجاد. وهو يجيد الكتابة عن من لا يعرفهم. قال إنه يحترم مهنية هذا الرجل، ويتحفظ على تعامله اللا إنساني. ثم توقف عن الاسترسال.
يقول إن الكتابة عن شخص من بعيد، تعفيك عن مجاملته.
مرة واحدة؛ خالف فيها عادته، إذ كتب عن أحد أصدقائه (...) وكان له تبريره لهذه المسألة.
عندما يبدأ عمر في الكتابة عن شخص أو موضوع؛ يعكف على ذلك لفترة طويلة.
بعض الموضوعات كان يستغرق في التحضير لها أشهراً طويلة.
 لا أحد لديه الجلد الذي يتمتع به عمر المضواحي يرحمه الله.
 دأبه في الكتابة عن موضوعاته الأثيرة : مكة المكرمة والمدينة المنورة، كان يختلط فيه الحب بالحرفية والبحث والتدقيق والتمحيص. كان يتابع القصة ويتعب في فتح الدروب المسدودة.
كان يسافر، طلبا لمعلومة.
وأحيانا يدخل في جدل من أجل النشر. يعيد الكتابة. يحاول الإقناع بشتى الطرق. يفاوض. ينتصر غالباً. وكانت الموضوعات تتأجل؛ ثم تتأجل، ثم يقوم بإعادة صياغتها من جديد. كنا نجلس ساعات، أصبحت مع عمر المضواحي أتقن الإنصات إلى موضوعاته الأثيرة.
يحدثني عن همومه وشجونه. كان عذباً في كل حالاته. أختلف معه؛ فيحترم رأيي.
تناءت بنا الدروب، والمواقف. لكنه كان يأخذ مني ما يوافقني فيه، ويتغاضى عن ما لا يعجبه ولا يناقشني فيه.
 بدا كأننا اتفقنا أن نحكي في المتفق عليه، ... هو الشخص الوحيد، الذي كان يتقن ردم المتناقضات.  
علاقته برؤساء التحرير، كانت تتسم بالصدق والجرأة بأدب. وعندما يصل إلى طريق مسدود، لم يتردد في كتابة ورقة استقالته والمضي بعيداً. لا يؤجل قرارته. ولا يأبه بتبعات هذه القرارات. كان عزيز نفس.
 كانت رحلاته الصحفية  للخارج متعة ومعرفة وبحث مضني. كتب كشاهد عيان من أكثر من بلد فتحولت كتابته إلى شهادة للتاريخ.
 تألم كثيراً عندما حذفت إحدى الصحف بعض موضوعاته، من موقعها الإلكتروني.
أنشأ مدونته روبابيكيا صحفي؛ حاول من خلالها أن يململم شعث بعض موضوعاته. كان يعيد نشرها كاملة، بعد ان ينشرها في صحيفته وفق ما يراه الرقيب. 
عمر المضواحي ظاهرة إنسانية، وحالة مهنية نادرة في صحافتنا المحلية. 
حزين؛ ... إذ أكتب.
وحزين، ... إذ أصمت. 
فمن الخيانة، أن تتحدث عن جراح يتسامى هو عن نشرها على الملأ.
حزين، ... أبحث عن العزاء والوفاء في أصدقائه، الذين اكتسبهم بنقائه ومهنيته.
اتصل به أحدهم؛ شاكراً له على كتابته عنه. قال له : أنت أوردت عني أشياء أنا لا أعرفها عن نفسي. كيف فعلتها وأنت لا تعرفني ولم تعمل معي. ثم تابع : عادة أنا لا أتصل بمن يكتب عني؛ لكنني هاتفتك بعد أن قرأت ما كتبته عني لأنه مختلف؛ وأعرف أن كتابتك ليس وراءها مصلحة خاصة.
كانت الكلمات عند عمر المضواحي تزهر.
وكانت الحوارات معه تتوالى. وكنت أتحين مواعيد جدة، وأعتبرها من الفرص الأثيرة، أشترط عليه أن نلتقي لوحدنا.
 يختطف نفسه من أسرته وأصدقائه. نجلس ساعات تمضي سريعة، ... على أمل لقاء آخر. وكان بيننا موعد الأربعاء.
 لكنه آثر هذه المرة أن يغذ السير صوب مكة وترابها وجبالها وأشجارها وأماكنها التي ظل يكتب عنها كتابة المحب المتيم. 
يا أبا عبد المحسن؛ أنا حزين. جداً حزين. وها أنا أجلس في هذه الزاوية، أكتبك، وأكتب كل أحبابي الذين سبقوني.
قلت لابنتي رغد : مات عمر المضواحي.
دخلت غرفتي، وأجهشت بالبكاء. 
قال أحدهم في تويتر : زره يوم الأربعاء في قبره، ولا تقل شيئا.. فالموت والصمت  في مكة.. حياة.
جدة الأربعاء القادم، تصافحني، كغريب أضاع عنوانه الأثير.
رحم الله عمر المضواحي. وغفر له ولموتانا وموتى المسلمين.
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. 

إرسال تعليق