الأحد، 20 ديسمبر، 2015

يا عمر : يغيب الأحباب ... فنذوي

نعم؛ أنا حزين؛ ... 
الموت حالة حداد. وحياد. ننظر له. نعرفه، يعرفنا. نهمس بكلمة الموت؛ ونحن بين الأمل والألم، بين الهلع والوجع. 
نعم؛ ... أنا حزين. أكتب لأنني حزين. تملأني الكآبة. الأحباب يرحلون. خبرتُ الموت، وعرفته. كنت صغيراً حينما فقدتُ أمي يرحمها الله. لم أكن أعي، ما معنى الموت. بكيتُ في اليوم الأول، لأن كل من حولي يبكون. ثم بكيتُ في اليوم التالي بحرقة، لأنني لا أرى أمي. اعتادتني الكوابيس لفترة طويلة. ثم تصالحتُ مع الحزن.
درجتُ في دروب الحياة. أدركتُ أن الموت يعني الفقد، الفراق، الغياب. والغياب داخل الغياب. غياب التفاصيل. غياب الشخوص. غياب الكلمات. غياب اللحظات السعيدة.
عندما كبرتُ، كنت على مواعيد مع الرحيل دون وداع. فقدت ابنتي لينا يرحمها الله في ليلة عيد. فانطفأت كل أعيادي بعدها، وعشت في غصة هذا الفراق، ونأيت بنفسي عن اللقاءات العامة؛ إلا ما كان يفرضه الواجب.
ثم في غياب آخر، وصلني خبر وفاة والدي يرحمه الله؛ فعدتُ منكسراً، حاملاً ضعفي وفجيعتي وألمي وحزني. 
ثم بدأت أفتقد أصدقائي، واحداً تلو الآخر. أعترف أنني انكسرت بغياب صديقي محمد أبو عمير. ولم أسلو.
ثم جاء رحيل صديقي عمر المضواحي المفاجئ، ليزيد يقيني أن الموت - مع التسليم بقضاء الله وقدره - لا مفر منه.
كنت وأنا أتحدث مع ابنتي رغد يحفظها الله، ولينا يرحمها الله، أقول لهما : أنتما عيناي التي أنظر بهما.
أعترف - وأستغفر الله - أنني لم أتخيل أنني سأفقد لينا، وكنت أتصور - وهذا من الأمل بالله سبحانه وتعالى - أنني سأرحل قبلها. واكتشفت أن فجيعة فقد الإبن أو الإبنة، لا يعدل مرارتها مرارة.
وكنت وما زلتُ أتقوى بعد الله بأسرتي وشقيقي محمد وأصدقائي اللصيقين.
وأحمد الله إذ أنعم علي بأصدقاء كثر، فقدت بعضهم، وما زلت أتوكأ على البعض الآخر.
وأصبحتُ أشد يقيناً وإيماناً بقضاء الله وقدره. تعلمتُ من الموت؛ وتألمت من الموت، ... وأيقنتُ أنه لا راد لقضاء الله.
وبعد يا صديقي عمر المضواحي : لم يكن هذا الصباح عادياً؛ فقد صحوتُ من نومي على كلمات العزاء، تملأ هاتفي.
وهممتُ أن أعود للنوم، فقد بدا الأمر وكأنه كابوس أليم.
أردتُ أن أصحو، وأستعيذ بالله من همزات الشيطان. ولكنني أيقنتُ أن الأمر حقيقي. عدت إلى شريط ذكرياتي. كلمات. ورسائل. وعود باللقاء. الأربعاء. نعم هذا الأربعاء. مضيت إلى مكتبي. ما زلتُ أتمنى أن يكون الخبر مجرد شائعة.
أردتُ صديقاً مثل صديقي محمد أبو عمير، يخطف الهاتف من يدي، ... كان الهاتف الذي حمل إلي نبأ وفاة ابنتي.
قال لي : إنها بخير. كنت أحتاج أن أصدق هذه العبارة. كنت أحتاج إلى هذه التخدير لوهلة. حتى أتهيأ للحقيقة. 
من الغريب، أننا نتعلق بالأمل، حتى ونحن على يقين أن الحقيقة غير ذلك. هذا ما كنت أحتاجه هذا الصباح.
كنت أتنقل بين وسائل التواصل؛ أفتش فيها عن شخص يقول لي؛ إن غياب عمر المضواحي مجرد إشاعة.
قلت إنني حزين؛ لأن عمر عنوان ثابت من عناويني في جدة؛ يأخذني في رحلة مدهشة، صوب جدة القديمة. يتحدث ونحن نغذ السير على أقدامنا، وأتعمد عدم مقاطعته؛ لأن شغفه بالأماكن القديمة يسحرني.
نختار مقهى أو مطعما في حارات جدة العتيقة. نثرثر في كل شيء. نلامس إحباطاتنا لنضحك. وتعف ألسنتنا عن الإساءة لهذا أو ذاك.
 لا أذكر أنه تغول على أحد. كتب مرة كتابة مدهشة، عن شخص فأجاد. وهو يجيد الكتابة عن من لا يعرفهم. قال إنه يحترم مهنية هذا الرجل، ويتحفظ على تعامله اللا إنساني. ثم توقف عن الاسترسال.
يقول إن الكتابة عن شخص من بعيد، تعفيك عن مجاملته.
مرة واحدة؛ خالف فيها عادته، إذ كتب عن أحد أصدقائه (...) وكان له تبريره لهذه المسألة.
عندما يبدأ عمر في الكتابة عن شخص أو موضوع؛ يعكف على ذلك لفترة طويلة.
بعض الموضوعات كان يستغرق في التحضير لها أشهراً طويلة.
 لا أحد لديه الجلد الذي يتمتع به عمر المضواحي يرحمه الله.
 دأبه في الكتابة عن موضوعاته الأثيرة : مكة المكرمة والمدينة المنورة، كان يختلط فيه الحب بالحرفية والبحث والتدقيق والتمحيص. كان يتابع القصة ويتعب في فتح الدروب المسدودة.
كان يسافر، طلبا لمعلومة.
وأحيانا يدخل في جدل من أجل النشر. يعيد الكتابة. يحاول الإقناع بشتى الطرق. يفاوض. ينتصر غالباً. وكانت الموضوعات تتأجل؛ ثم تتأجل، ثم يقوم بإعادة صياغتها من جديد. كنا نجلس ساعات، أصبحت مع عمر المضواحي أتقن الإنصات إلى موضوعاته الأثيرة.
يحدثني عن همومه وشجونه. كان عذباً في كل حالاته. أختلف معه؛ فيحترم رأيي.
تناءت بنا الدروب، والمواقف. لكنه كان يأخذ مني ما يوافقني فيه، ويتغاضى عن ما لا يعجبه ولا يناقشني فيه.
 بدا كأننا اتفقنا أن نحكي في المتفق عليه، ... هو الشخص الوحيد، الذي كان يتقن ردم المتناقضات.  
علاقته برؤساء التحرير، كانت تتسم بالصدق والجرأة بأدب. وعندما يصل إلى طريق مسدود، لم يتردد في كتابة ورقة استقالته والمضي بعيداً. لا يؤجل قرارته. ولا يأبه بتبعات هذه القرارات. كان عزيز نفس.
 كانت رحلاته الصحفية  للخارج متعة ومعرفة وبحث مضني. كتب كشاهد عيان من أكثر من بلد فتحولت كتابته إلى شهادة للتاريخ.
 تألم كثيراً عندما حذفت إحدى الصحف بعض موضوعاته، من موقعها الإلكتروني.
أنشأ مدونته روبابيكيا صحفي؛ حاول من خلالها أن يململم شعث بعض موضوعاته. كان يعيد نشرها كاملة، بعد ان ينشرها في صحيفته وفق ما يراه الرقيب. 
عمر المضواحي ظاهرة إنسانية، وحالة مهنية نادرة في صحافتنا المحلية. 
حزين؛ ... إذ أكتب.
وحزين، ... إذ أصمت. 
فمن الخيانة، أن تتحدث عن جراح يتسامى هو عن نشرها على الملأ.
حزين، ... أبحث عن العزاء والوفاء في أصدقائه، الذين اكتسبهم بنقائه ومهنيته.
اتصل به أحدهم؛ شاكراً له على كتابته عنه. قال له : أنت أوردت عني أشياء أنا لا أعرفها عن نفسي. كيف فعلتها وأنت لا تعرفني ولم تعمل معي. ثم تابع : عادة أنا لا أتصل بمن يكتب عني؛ لكنني هاتفتك بعد أن قرأت ما كتبته عني لأنه مختلف؛ وأعرف أن كتابتك ليس وراءها مصلحة خاصة.
كانت الكلمات عند عمر المضواحي تزهر.
وكانت الحوارات معه تتوالى. وكنت أتحين مواعيد جدة، وأعتبرها من الفرص الأثيرة، أشترط عليه أن نلتقي لوحدنا.
 يختطف نفسه من أسرته وأصدقائه. نجلس ساعات تمضي سريعة، ... على أمل لقاء آخر. وكان بيننا موعد الأربعاء.
 لكنه آثر هذه المرة أن يغذ السير صوب مكة وترابها وجبالها وأشجارها وأماكنها التي ظل يكتب عنها كتابة المحب المتيم. 
يا أبا عبد المحسن؛ أنا حزين. جداً حزين. وها أنا أجلس في هذه الزاوية، أكتبك، وأكتب كل أحبابي الذين سبقوني.
قلت لابنتي رغد : مات عمر المضواحي.
دخلت غرفتي، وأجهشت بالبكاء. 
قال أحدهم في تويتر : زره يوم الأربعاء في قبره، ولا تقل شيئا.. فالموت والصمت  في مكة.. حياة.
جدة الأربعاء القادم، تصافحني، كغريب أضاع عنوانه الأثير.
رحم الله عمر المضواحي. وغفر له ولموتانا وموتى المسلمين.
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. 

الأحد، 3 مايو، 2015

سياحة قطار الشمال

يبدو أننا أصبحنا على موعد وشيك مع التجوال والسياحة عبر أنحاء المملكة العربية السعودية، من خلال القطارات. والبداية الجادة ـــ بعد القطار العتيق الواصل بين الرياض والدمام ــــ ستكون من خلال قطار الشمال، الذي سوف يبدأ الرحلات التجريبية لنقل الركاب في غضون أسابيع قليلة. 

وتقول الشركة السعودية للخطوط الحديدية "سار" إن التشغيل التجريبي لقطارات الركاب سوف يبدأ قريبا، ويفترض أن ينطلق هذا القطار الذي يسير بسرعة 200 كيلومتر ابتداء من الرياض مرورا بالمجمعة والقصيم وحائل والجوف وانتهاء بالقريات. 

ولا شك أن هذا الأمر ستصحبه ثقافة جديدة، تتعلق بالاندماج بشكل أكبر في وسائل النقل البرية العامة. ومن الملاحظ أن هناك زهدا من العائلات في السابق عن التنقل عبر الحافلات العامة بين المدن، ولكن هذا الأمر أقل في التعامل مع القطارات، إذ إن بعض الأسر تلجأ له في التنقل بين الرياض والدمام. 

وبظهور قطار الشمال وإتاحته للركاب خلال الأسابيع المقبلة، لا شك أن المزيد من الأسر ستتحمس لخوض التجربة، خاصة أن سرعة القطار الجديد معقولة جدا، كما أنه أكثر أمانا من السيارات، وفيه راحة ورحابة تتيحان مرونة في الحركة أثناء السير. كما أنه يمثل خيارا جديدا في ظل الزحام الذي تشهده خطوط الطيران. 

ومن يدري فقد نشهد يوما، فيلما سعوديا، يتحدث عن رحلة من الرياض إلى قريات الملح، وتتصاعد من خلاله رؤى ومشاهد بانورامية عن الوطن والناس والسياحة.


شموخ أمة ووطن

استقرار السعودية، ركن أساس في تحقيق الأمن العربي. هي عمود الخيمة، وهي الملاذ بفضل الله، بعد أن تأرجحت أوتاد الخيمة العربية بانحسار دور العراق وتعثر سورية وتأزم الأحوال في ليبيا واليمن وسواهما. 

إن الصورة العربية تبدو في منتهى السوء، ولكن التفاؤل بدأ يسود مع استعادة مصر لدورها، وانخراطها مع السعودية ودول الخليج العربي ضمن تحالف “عاصفة الحزم” التي وقفت بالمرصاد للمصيدة الفارسية التي تستشري في الوطن العربي المنهك بالخلافات بين أبناء الوطن الواحد. لقد كان قدر السعودية، باعتبارها بلد الحرمين الشريفين، أن تكون محط أفئدة وقلوب العرب والمسلمين. وهي كانت ولا تزال، تمارس دورها بمسؤولية وجسارة. وهذا حتما لا يعجب من في قلبه مرض، فيفجر في خصومته، ولكن هذا الفجور يرتد عليه. ولقد كانت القرارات التي اتخذها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز -يحفظه الله -، منذ توليه أمانة الحكم، تستحضر روح المسؤولية تجاه الداخل والخارج. 

ومن هنا فقد أطلق خادم الحرمين عملية “إعادة الأمل” إلى اليمن، التي جاءت استكمالا لمسيرة “عاصفة الحزم”، ودعمت السعودية التقارب ورأب الصدع وتأليف قلوب العرب.

وعلى الصعيد الداخلي، عزز الملك سلمان -يحفظه الله- التوجه لإعطاء الشباب الدور الأهم في إدارة شؤون البلاد، وكان التتويج الأكبر إثر طلب الأمير مقرن الإعفاء من الملك، بفتح المجال للجيل الثاني من الأسرة الحاكمة الكريمة، فكان اختيار الأميرين المحمدين ضخا للدماء الشابة يجعل صورة المستقبل -بإذن الله- واضحة المعالم، لا يكتنفها غموض أو ضبابية. 

لقد كان هذا الإجراء يمثل الطموح والأمل لكل محب مخلص. فالسعودية واستقرارها الذي تنعم به بفضل الله ثم بفضل قيادتها الحكيمة -هذا الاستقرار مطلب إقليمي وعربي وعالمي-. 

لقد أعطت بيعة المحمدين خلال الأسبوع الماضي من أبناء الشعب والأسرة الكريمة، رسالة مهمة: هذا الوطن عصي على خصومه، وشامخ بقيادته وشعبه الذي يعي نعمة الأمن والاستقرار. لقد كانت هذه الصورة التي تستمد ألقها من تاريخ عريق، استكمالا لما بناه الملك المؤسس -يرحمه الله- وبقية إخوانه الميامين.

الأربعاء، 29 أبريل، 2015

أغلفة العنصرية

العالم ينوء بالعنصرية. لا يمكن استثناء أي مجتمع. النظرة إلى الآخر بانتقاص بسبب اللون أو الجنس أو الخلفية العرقية أو الثقافية أو الدينية مسألة أفضت إلى سلسلة من الحروب والفتن. 

في القرن الماضي، كان المشهد السائد حروبا بشعة في إفريقيا وأوروبا بسبب العنصرية المرتبطة بالدين أو العرق. 

البوسنة والهرسك شاهد حي، على الجور الذي تعرضوا له، هذا الجور يزعم مرتكبوه أنه جاء ردا على إرث تاريخي أليم صنعه العثمانيون عندما سيطروا على البلقان. كانت محاكمات مجرمي الحرب في البوسنة عنوانا مهما، حاول العالم من خلاله أن يرمم ضميره المثقوب. وبالصدفة فقد استعادت ذاكرة العالم خلال الأيام الماضية عملية الإفناء الممنهج لنحو مليون ونصف المليون من الأرمن، تلك جريمة ارتكبتها تركيا، وهي لا تزال ترفض الاعتذار عنها. 

ونحن في عالمنا العربي نشهد أكبر جريمة عنصرية في العصر الحديث، تمثلت في إقصاء الشعب الفلسطيني عن وطنه، وتحويله إلى مجرد هامش يرى أرضه يحتلها غرباء قادمون من كل مكان، بينما هو لا يكاد يتمتع بالحدود الدنيا للمواطنة كفلسطيني أصبح بلا دولة.

نفس الإنسان التي تتوسل بالعنصرية من أجل تكريس الاعتداد بالذات، هذه النفس تتكئ على مظهر من مظاهر الضعف والهشاشة. 

ومن الضروري الاعتراف بأنه يندر أن تجد إنسانا يتسامى عن هذا الفعل العنصري، حتى وإن قال سوى ذلك. 

لكن الضابط المهم لسلوكيتنا كبشر هو الشرع والقانون. لك أن تحب وأن تكره ما تشاء ومن تشاء، ولكن من المهم ألا تفضي هذه المحبة والكراهية إلى سلوكيات شائنة تستفز الرأي العام.


السبت، 25 أبريل، 2015

الألم والتفاصيل الصغيرة

أمام الطبيب؛ لا تملك سوى الاستسلام والإذعان.

عندما تتألم، تهرول، تجلس منتظراً، تكابد القلق. يتأخر الطبيب عن موعده. يسبقك أحدهم؛ لأنه يملك واسطة أو يحمل توصية. تدلف بعدها، تتجاهل برضا هذا التأخير. يطرح عليك سؤالا عن شكواك، تاريخ الألم.

تحكي، يسرح قليلا، ولكنك تمضي في إجابتك. تستلقي على السرير. ألترا ساوند، لا بد منها، قبل التشخيص النهائي. لا مهدئات، قبل أن نرى النتيجة، أخشى أن أعطيك مسكنا للألم فتكتفي به. 

تنتقل إلى الأشعة. تنتظر ساعة وأخرى. المواعيد كثيرة. يقولون: انتظر؛ قد يتأخر أحدهم عن موعده. بعد سويعات تنتقل إلى غرفة الأشعة. 

تهمس لك الإخصائية: الفحص يستغرق نصف ساعة. تخلص من كل الأجهزة المعدنية. تضعك في صندوق يشبه التابوت. تضع لك سماعة على أذنيك، كي تخفف إزعاج الأصوات التي تدهمك. الضوء الأبيض الخافت، والتكييف الهادئ يخفف من شعورك بالوحدة. هذا هو الخط الفاصل بين تابوت صامت، وتابوت يقلب في جسدك، يسبر أغوار الألم. تدهمك الأسئلة الصعبة عن الموت والحياة.

تتداعى لك صور الذين غابوا. حكاياتهم. ضحكاتهم. أرقام هواتفهم التي تحفظها السحابة الإلكترونية، وتعيدها إليك مع كل تحديث تجريه. الحذف لا يجدي. تقفز رسائلهم عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي. 

تمر نصف الساعة، بعد أن تستعرض مسيرة عمر وقصة حياة. تخرج من هذه التجربة، تمضي مبتعدا، تتهيأ لموعد آخر مع الطبيب الذي اعتاد على الحياد تجاه آلام الناس. 

يهاتفك الأصدقاء في الجريدة: المقالة لم تصل بعد. تتهيأ للكتابة. يتحدث معك صديق عبر الهاتف؛ يسألك: أين أنت؟! تبدأ في سرد قصتك، يقاطعك مرة أخرى: ما هي أخبارك؟ تبتسم. تتذكر أن الناس يريدون كلاماً عابراً وسريعاً، دون أي تفاصيل. 

التفاصيل لا يأبه بها سواك.


الخميس، 23 أبريل، 2015

مبادرة نسرين



تسلقت الدكتورة نسرين الحقيل قبل بضعة أسابيع قمة إفرست؛ في رحلة هدفها التعريف بجمعية دعم إضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه "افتا".

وتقول طبيبة الأسنان التي تحدثت لصحيفة "الرياض" أمس إنها قررت دعم الجمعية السعودية وتسليط الضوء عليها ونشر ثقافة التعامل مع المصابين بفرط الحركة، من خلال هذه المغامرة. 


من المؤكد أن لفت الانتباه إلى المبادرات الإنسانية والاجتماعية من الأمور المهمة. وأظن أن بادرة الدكتورة نسرين تستحق التنويه.

إذ بعيدا عن أي إسقاطات قد يقرأها البعض؛ لكن هذا الفعل يعكس صورة من صور بناء الوعي المجتمعي تجاه قضايا مهمة.

ومن المؤسف أن حماس مجتمعنا لهذه القضايا لا يزال محدودا. والجهود التي تبذلها الجمعيات ذات الاهتمامات الإنسانية والصحية تستحق التقدير. 

وأستحضر هنا بشكل سريع أسماء بعض هذه الجمعيات مثل جمعية التوحد، وجمعية نقاء، وجمعية أيتام، وجمعية رعاية الأطفال المعوقين.. إلى آخره.

وأنا عندما أتحدث عن اهتمام المجتمع؛ أجد أن من اللافت أن المنخرطين في هذه الجمعيات تطوعا وعملا لا يزال محدودا. 

وهذا أمر تشارك في تحمل مسؤوليته الجمعيات أيضا؛ إذ إن خطابها التقليدي، وصوتها الخافت، ناتج عن الارتهان إلى التقليدية التي تجعل صوتها يعلو في المناسبات فقط، بينما يتوارى هذا الصوت في أوقات أخرى.

من هنا فإن المبادرات الملهمة، مثل ذلك التحدي الذي خاضته الدكتورة نسرين، يقدم نموذجا مهما في كيفية تسويق فكرة العمل التطوعي ودعمه.



الأحد، 19 أبريل، 2015

صناعة الهدوء


تعصف الأشياء الصغيرة من حولك فتتسلل إليك كل السلبيات التي تصل عبر "واتساب" و"تويتر" و"فيسبوك"... إلخ. لكنها تتضخم في داخلك، إن استسلمت لها. 

لكنك لست سوى جزء هامشي ضئيل من العالم. لا تملك حلولا ناجعة. وليس صحيحا أن عليك الاهتمام بما يحدث في كل مكان، وأن يكون لك رأي فيه، فبعض الآراء ليست شأنك، فلماذا تشغل نفسك بها أصلا؟

الهدوء في الداخل مهمة تبدو صعبة في بعض الأحيان، لكنها ليست مستحيلة. 

صعوبة هذا الأمر أن البعض يتفنن في ضخ وتبني الصور والأخبار السلبية، وهو يتفنن أيضا في إفساد الأخبار الإيجابية، إذ إنه يؤمن أن نشر السلبية مهمة حتمية بالنسبة له في الحياة.

مثل هؤلاء، من الجيد أن يسعى المرء إلى عزل نفسه عنهم، بحيث إنه يراهم وكأنه لا يراهم، وليس القصد حتما الاحتقار، ولكن الهدف النأي عما يشيعونه من سلبية وسواد.

إن أغالب العداء الذي يستحكم بين أفراد مجتمعاتنا، أساسه خلافات على أمور لا تعنينا ولا تمسنا بشكل مباشر. 

هناك من يريدك أن تكون نسخة من سفاحي "داعش" أو المليشيات الشيعية، وأن تؤيد وجهة نظره التي تنحاز إلى هذا الطيف أو ذاك. وقد يقرر ألا يحبك لأنك لا تريد أن تكون لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. مثل هذا الشخص، تجاهله والبعد عن التقاطع معه لا ضرر منه. بل إن هذا من الأمور التي تزيد من إيجابيتك. 

لقد كانت أكبر جنايات التطرف، أن البعض صار يتحسر ويتألم لأمور تقع في أقصى بقاع الأرض، ولكنه يتعامل بمنتهى السلبية مع شؤون أكثر التصاقا به.

لا يمكن أن تستسيغ أن يمارس شاب العقوق تجاه أسرته ووطنه، ثم تراه يردد كلمات كبيرة وفخمة، سرعان ما تناقضها تصرفاته وواقعه. 

باختصار: لا تكن جزءا من إنسان فاشل في حياته الحقيقية، قرر أن يكون مصدر فشل وتثبيط لمجتمع بأكمله.


إنقاذ اليمن العربي


كانت المبادرة الخليجية لترتيب أوضاع اليمن، خيارا يسعى إلى الحفاظ على وحدة اليمن ومقدراته. لكن فئة من فئات المجتمع هناك، بإيعاز ودعم من إيران، أرادت أن تستأثر بكل شيء. وهكذا بدأ ضرر الحوثيين الذين ارتضوا أن يكونوا وكلاء لإيران يتزايد، وأصبح المشهد اليمني وإيقاعاته، بالهيمنة الحوثية عليه، يهدد بالقضاء على الدولة اليمنية الوليدة، كما أنه ينسف كل ما توصل إليه المتحاورون اليمنيون، وفقا للمبادرة الخليجية. 

أصبحت إيران تتبجح بأن لها وجودا وتأثيرا في عواصم عربية منها صنعاء. لم يعد الضرر على اليمن داخليا، بل صار يهدد الجيران والإقليم. هذا التآكل الذي عمل الوكيل الإيراني على إنجازه، وكاد ينجح فيه، تم تداركه بعد أن توالت الاستغاثات والمناشدات من الحكومة اليمنية الشرعية، وكان آخرها دعوة الرئيس اليمني الشرعي للسعودية ودول الخليج للمساعدة، خاصة أن قوى الحوثيين ومن ورائهم الرئيس السابق والقوى التي لا تريد خيرا لليمن، كانت تقف على أعتاب عدن، ملاذ الرئيس الشرعي بعد احتلال صنعاء من الحوثيين. 

خلاصة ما سبق، كانت اليمن بحكومتها الشرعية، والعالم العربي والمجتمع الدولي، أمام خيارات محدودة: إما السكوت حتى تكتمل الهيمنة الإيرانية على المنطقة، وإما السعي إلى مساعدة اليمن على النهوض من جديد.

ومن هنا، كان القرار الذي اتخذته السعودية ودول الخليج ومصر وبقية حلفائها لإطلاق عملية «عاصفة الحزم». إن هذه العملية التي استهدفت الفئة الباغية على أشقائها في الوطن، لم تأت إلا بعد أن رفضت هذه الفئة كل الحلول، بما في ذلك طاولة الحوار بين مختلف الأطياف في الرياض أو الدوحة. ولم تنجح مبادرات الأشقاء، كما أن مبعوث الأمم المتحدة لم يحقق أي نجاح في مهمته، بل إن البعض اعتبر أن وجوده فاقم الأوضاع وأسهم في تعقيدها. إن المتابع للمشهد اليمني يدرك أن القلق الذي تسبب فيه الحوثيون في اليمن، قد انعكس على نخب كانت تنظر بتوجس إلى المبادرة الخليجية، وهي الآن أصبحت من أكثر المتحمسين لها؛ لأنهم أدركوا أنها تمثل أفضل الممكن.

ولا شك أن خاتمة هذا المشهد، كما يأمل كل المحبين، ستكون حوارا متكافئا بين كل الأطياف في اليمن، تحت مظلة خليجية وعربية، تسهم في إعادة اليمن العربي إلى أشقائه، مستقلا شامخا بعيدا عن الهيمنة الصفوية التي لا تريد خيرا للعرب.

انحسار الاستقواء الفارسي


طلبت الحكومة الشرعية في اليمن من أشقائها في السعودية وبقية دول الخليج (العربي) ودول التحالف، مساندتها ضد الاستقواء الفارسي، الذي يريد فرض طيف مذهبي بشكل قسري. 

كانت انطلاقة "عاصفة الحزم"، يقظة عربية أصيلة، حاول الشعوبيون استهدافها، لكنها كانت قوية بعون الله؛ ثم بعزم وتعاضد العرب.

لقد بدأ العالم يتلمس انحسار هذا الاستقواء، وبدأت ذيول الهزيمة والخيبة تلاحق معسكر الخسران، الذي صال وجال، لكن مخالب "عاصفة الحزم" النبيلة، لم تترك للمعسكر الشعوبي الفارسي أي سبيل للفكاك، من كماشة هذا التحالف العربي الأصيل.

عندما نقول هذا الكلام، لا نسلك طرحا عنصريا بغيضا، فإيران وأشياعها في اليمن كانت تمعن في تغيير الهوية هناك بمنتهى الشراسة والصلف. 

خيار "عاصفة الحزم"، للضرب بيد من حديد، على هذه المحاولات، كان ولا يزال يهدف إلى تحقيق الخلاص لليمن من أقطاب المؤامرة، وإشاعة الأمن والسلام في هذا البلد، الذي أراد الشعوبيون الفرس تقويضه هناك. 

كادت المؤامرة تكتمل، لولا تداعي الأشقاء بقيادة المملكة العربية السعودية وبقية أعضاء التحالف، لتدارك هذا المسلك الإيراني الأهوج.

كانت "عاصفة الحزم" صولة حق ضد باطل طال أمده. إذ عملت إيران على مدى سنوات، على تقوية حلفائها هناك ودعمهم بالأسلحة، وفكر تصدير الثورة، والتغيير الثقافي من خلال المنح الدراسية في قم، وإشاعة الفرقة بين أبناء الوطن الواحد.

من هنا يمكن فهم هذا النعيق، الذي يتردد صداه، مع بدء انحسار هذا الاستقواء، وانكشاف أبعاد هذه المؤامرة، التي كان يراد لها أن تكون موطئ قدم صوب مساحات عربية أخرى، بدأت في لبنان، مرورا بالعراق، ثم سورية .. إلى آخره. 

إن بعض الإيرانيين العرب، ومن ورائهم الفرس، يجدون في هذه الانتصارات علامة تشير إلى بدء انحسار هذا الاستقواء. ولهذا هم يواصلون الصراخ، لكن قافلة "عاصفة الحزم" تسير، مدعومة بالقوة والنوايا والأفعال النبيلة، لمساندة اليمن وشعبه وحكومته الشرعية. 

إن قوة الخليج العربي وأمنه من أمن اليمن، وأي طرح خلاف ذلك هو مجرد صدى لحلم صفوي بغيض؛ بدأ يتأرجح ويتداعى. ولا شك أن ما بعد "عاصفة الحزم"، سيكون أمام دول الخليج العربي، وكل الطيف العالمي المساند والمدعوم بالإرادة الدولية، مهمة ثقيلة، تتمثل في إعادة تأهيل اليمن. المهمة النبيلة تبدو صعبة، ولكنها مدعومة بإرادة وعزيمة من قيادات وشعوب دول مجلس التعاون في الخليج العربي.

حفظ الله أوطاننا العربية من كيد الكائدين.

الثلاثاء، 13 يناير، 2015

تدوينة عابرة : عن شارلي أبدو وأنصار إيران وداعش : كلهم ضد الإسلام

أشعر بحزن شديد، لإصرار شارلي أبدو على الإساءة للرسول الكريم  ﷺ، بنشر مزيد من الصور الساخرة من نبينا ومن ديننا. وأشعر بالحزن أيضا للتبريرات التي يقدمها البعض لما أقدم عليه مستهدفي الصحيفة والسوبر ماركت التي أفضت إلى مقتل نصارى ويهود وجندي فرنسي مسلم أيضا. 
كما أنني حزين لأن أصوات العداء للإسلام تتزايد. 
لقد قدرت كثيرا مواقف الدول العربية والإسلامية - وفي مقدمتها المملكة ودول خليجية -  التي شاركت في التضامن مع فرنسا - رغم أن هذا الكلام قد لا ينسجم مع رؤى بعض الأصوات التي تفتقد لحصافة قراءة واقع الصورة وتداعياتها.
لقد ثمنت كثيرا موقف المغرب الشقيق الذي قام بأداء واجب العزاء، لكنه لم يشارك في التظاهرة احتجاجا على حمل شعارات مسيئة للنبي ﷺ خلال التظاهرات. والموقف المغربي يعتبر منسجما مع عواطف ومشاعر الجالية المسلمة هناك، التي تتعرض لضغوط بسبب الحادث الإرهابي الذي جعل من أدانوا تجاوزات شارلي أبدو على الرسول الكريم يعبرون عن موقف متشدد بسبب بشاعة الاعتداء.

إن الساحة العالمية تضج بالتطرف والمتطرفين من كل لون ودين، ومن التطرف استهداف الإسلام ورموزه بالإساءات. 
لكن علينا دائما أن نتذكر إن جنوح البعض للتعامل مع مثل هذه الإساءات بشكل مسلح، أمر ضار جدا، ويعزز النظرة التي يصر البعض في الغرب على تكريسها عن المسلمين، باعتبارهم من أنصار العنف.
 ومن المعلوم أن التورط في الإساءة للأديان - السماوية وغير السماوية - أفضى قديما وحديثا إلى فتن وحوادث خطيرة. 
وعندما بدأ بعض الأفراد والجماعات المحسوبة على الإسلام في تقديم اجتهادات خاطئة، أفضت القصة إلى مزيد من الأذى للصورة الذهنية للمسلمين.
 عندما أصدر سلمان رشدي روايته آيات شيطانية، أرادت إيران أن تمارس مزايدة على المسألة؛ فأهدرت دم  رشدي الذي أساء في روايته إلى أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها.
 كانت هذه المزايدة محض متاجرة فجة، مارستها إيران وامتطى موجتها بعض المغرر فيهم من الأفراد. 
لكن هذه المتاجرة الفجة، أعطت مشروعية لفكر القتل، وإهدار الدم. 
هي نفسها إيران التي استضافت رموز القاعدة وآوتهم، وأطلقت إسم قاتل الرئيس السادات على أحد شوارع طهران. 
وهي نفسها إيران التي لا تفوت أي  فرصة سانحة للإساءة إلى المملكة العربية السعودية ورموزها، وبقية دول الخليج العربي.
هذه التناقضات الإيرانية لا يمكن القفز عليها، وربما من المهم استحضارها في هذه اللحظات الحرجة.
الحقيقة إنه لا يمكن قراءة صور التطرف بمعزل عن المحاضن التي تؤجج هذا التطرف، ... أول هذه الأمور التفسيرات الخاطئة للدين، والارتهان إلى رؤى تختزل النظرة إلى الحق - حسب فهمهم - وإقراره بالقوة التي تفضي إلى الأذى والقتل وإفساد الحياة.
 وهناك دول - إيران في مقدمتها - تستخدم المكون السني والشيعي، بشكل يخدم ويعلي من مصالحها. وهي ذاتها التي كانت ولا تزال تمد يدها للمتطرفين من السنة؛ كما أنها تتسلل إلى هذا البلد أو ذاك في مسعى للتغيير المذهبي كما يحصل حاليا في اليمن والسودان وبلدان آسيا الوسطى.  
 إن الذين يزايدون عن الإسلام، يصبغون الدين بصبغة الاقصاء. وهذا الأمر لا يمكن أن يكون صحيحا. 
عندما تؤدي صلاتك تردد كلمة السلام في التشهد الأول، وتختم صلاتك بالسلام يمينا وشمالا. 
وعندما تقابل إنسانا تبادره بالسلام.  هذه الممارسة المستمرة، وهذا الجنوح المتواتر صوب السلام ثم السلام ثم السلام؛ يغيب عن ذهن المتطرف؛ فيأتي بأفعال تتقاطع مع هذا الأمر وتتضاد معه. 
لا يمكن للمسلم السوي، أن يستسيغ ما تفعله بوكو حرام أو القاعدة أو داعش أو جبهة النصرة أو حزب الله أو سواها من أجنحة التطرف، التي يجد البعض منها محضنا في إيران، كما هو الحالبالنسبة للقاعدة وحماس وعدد من الجماعات الاسلاموية المصرية والسودانية وسواها . 
هذه التيارات، التي تشجعها إيران بشكل مباشر أو غير مباشر، أشغلتها السياسة والغلو عن النظرة العادلة للأمور؛ وقد أفرزت كتابات المقدسي وسواه من أقطاب التطرف أجيالا تلقت العلم الشرعي مشوها؛ فأصبح تغيير المنكر - بزعمهم - يفضي إلى القتل والدمار. 
لقد وصل أذى التطرف إلى الأقليات المسلمة في أوروبا، وهاهي القوانين هناك تتجه لمزيد من التغير والتشدد، وصار التهيب والتربص يصوغ حياة المسلمين هناك.  
لقد أفسد التطرف السني والشيعي على العراقيين بلدهم، كما أنه جعل سوريا تتعثر، وهو نفسه أودى بالسلام في اليمن، ويهدد العالم أجمع.
 وقد أعطى هذا التطرف مبررات للأصوات الكارهة للإسلام والمسلمين لإعادة طرح فكرهم الإقصائي الذي يؤكد استحالة التعايش مع الإسلام. 
هذا الجور والظلم، الذي يتمدد وينحسر؛ جعل الإساءة للقرآن والرسول الكريم  ﷺ أحد الخطوط التي يتم استخدامها للمزايدة على قضية الحرية.
 وكان هناك عقلاء يؤكدون أن هذه ليست حرية، لكن أولئك وجدوا أن الانتقام من المسيئين واستهدافهم جسديا أمر مرفوض. 
القضية تبدو شديدة التعقيد؛ التطرف يعطل التعايش بين أفراد المجتمع، ويجعل الحياة جحيما على الجميع. وإيران في هذا الواقع غير المستقر، تجد نفسها أكثر أمانا. فالأعداء الذين تصنعهم يتلقون الضربات نيابة عنها.

* هذه التدوينة عبارة عن مقالة تجاوزت المساحة المسموح بها؛ فآثرت أن تكون هنا لا هناك.

الخميس، 13 نوفمبر، 2014

تراثنا العمراني

في فيلم يستغرق نحو 42 دقيقة، أنتجته الهيئة العامة للسياحة والآثار بالتعاون مع مؤسسة التراث، ثمة رصد لبعض جهود الحفاظ على التراث العمراني في مناطق المملكة. عرض الفيلم لقطات من جدة التاريخية، الهفوف، الغاط، والدرعية. الفيلم الذي يحمل اسم "رواد التراث العمراني" أعطى نماذج عديدة مثل قصر سلوى وحي الطريف في الدرعية، وقصر الغاط، والقرية التراثية في أشيقر، وبيت نصيف ومواقع أخرى في جدة التاريخية، وقصر إبراهيم، ومسجد الجبري والمدرسة الأميرية في الهفوف...إلخ. يكشف الفيلم أن أمانات المناطق ضخت في 2012م نحو 800 مليون ريال للعناية بالتراث العمراني. هذه تعد نقطة تحول مؤسسي تحققت بتحفيز وتعاون بين الهيئة العامة للسياحة والآثار وشركائها، وأدى ذلك إلى توجه البلديات لإنشاء أقسام للعناية بالتراث العمراني. ينظر الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار إلى تكريم رواد التراث العمراني من خلال مؤسسة التراث، باعتبار أن مواقع التراث العمراني ليست مجرد مبان، إذ هي تروي قصصا للأماكن، وتقدم منظومة للقيم التي حملها الأجداد، وهذه القيم هي التي صاغت الصورة المميزة لوحدة هذه البلاد. ويأمل الأمير سلطان أن يكون هؤلاء الرواد قدوة للأجيال الجديدة. الفيلم يرصد تطورا شاملا يضيء الصورة، ويشيع الفرح في نفوس المتحمسين للعناية بالتراث العمراني. هناك حاجة إلى زيادة الوعي بأهمية التراث العمراني، هذا الأمر بدأت ملامحه تتشكل. لكن علينا الاعتراف بأن إقبال الناس على زيارة المتاحف والأماكن التراثية لا يزال أقل من المأمول. إثراء الوعي مهمة مشتركة، ومؤسسات التربية والإعلام شركاء أساسيون فيها.

رابط الفيلم للمشاهدة  : www.youtube.com/watch?v=UuqDhj4-Tjc

الأحد، 2 نوفمبر، 2014

المخدرات الرقمية

تسمع موسيقى معينة، فتتملكك الرغبة في تناول نوع من الطعام: هامبرجر، بروست... إلخ. تدخل إلى محل، فتتسرب إلى أنفك روائح تحفزك على سلوك شرائي معين. كل هذه التفاصيل، يتم تطبيقها وتأتي ردود الأفعال عليها بطريقة لا شعورية. وهناك حديث لا ينتهي عن موسيقى صاخبة تبعث رسائل خفية تحرض وتحفز على القتل. 

أخيرا بدأت الشكوى تتزايد عربيا من تأثيرات المخدرات الرقمية. والمخدرات الرقمية عبارة عن ملفات موسيقى يتم تسويقها من خلال الإنترنت، وهذه الملفات تعطي من يخضع لها إحساسا شبيها بإحساس من يتعاطى المخدرات. ولا يحتاج الأمر سوى سماعة في الأذن وتعليمات أخرى مصاحبة للدخول في نفق المخدرات الإلكترونية. 

والحقيقة أن الفديوهات التي ترصد حالات من يتعاطون هذه الآفات سمعيا، تعكس خطورة تسلل مثل هذه الممارسات إلى العالم العربي. والتحدي يبدو كبيرا أمام مؤسسات التربية وأمام المجتمع والأسرة. فالأجهزة الذكية نعمة قد تتحول إلى نقمة. ولا يمكن لأي إنسان الزعم أن بإمكانه إحكام الرقابة على المحتويات التي يتلقاها النشء. 

من المؤسف أن تجد منتديات محلية على الإنترنت تروج لمثل هذه المخدرات، وتحفز البعض على تجربتها، في ظل جهل كثيرين بهذا الداء الذي يتسلل بصمت. 

وأظن أن الإجراء الذي تم الإعلان عنه من قبل اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات، بوجود تنسيق بين الإدارة العامة لمكافحة المخدرات وهيئة الاتصالات لمواجهة هذه الظاهرة. 

لكن من المهم أن يكون هناك وضوح في التعاطي مع المسألة ورسائل إعلامية وتربوية واضحة، تحذر الجيل الجديد من التعرض لمثل هذه المخاطر. 

إن هذا الأمر مهم. فالوقت لم يعد يعترف بالصمت حتى لا يتأثر البعض بالتوعية بشكل مضاد. فهذا الكلام - رغم وجاهته - تضعفه أسوار العولمة المفتوحة.

الخميس، 30 أكتوبر، 2014

سفاري دبي

دبي غدت واحدة من الوجهات القريبة التي يختارها السائح الخليجي، كما يختار البعض أبها أو صلالة وسواهما في الصيف. والحق أن هذه وجهات تستحق أن تتجه إليها بوصلة السائح. كل مكان من هذه الأماكن له مزاياه، وله أحيانا عيوب تتفاوت من مكان إلى آخر.
في آخر زيارة شخصية إلى دبي، طلبت من الفندق الذي أسكن فيه، أن يحجز لي فيما يسمى Desert Safari Dubai أو سفاري دبي. وهي عبارة عن رحلة وسط الرمال، تستغرق نحو ثلاث ساعات، تأخذ شكل المغامرة من خلال "التطعيس" ثم تنتهي باستراحة يمكنك من خلالها ركوب الجمال والتصوير، وبعدها تناول العشاء مع عروض فنية.
اللافت أن سفاري دبي لا يقدم للسائح الشخصية التراثية الإماراتية، من خلال العروض المقدمة، ويبدو أن من وضع رؤيتها أراد لها أن تحاكي المخيال المستمد من ألف ليلة وليلة. وقد يكون المبرر أن غالبية من يرتادون مثل هذه العروض هم من الغربيين بالدرجة الأولى.
في المحطة التي توقفت عندها القافلة، والتي تضم محالا لبيع التحف ودورات مياه بائسة جدا وغير نظيفة، يمكنك أن تلمح غيبة عين الرقيب. لن ترى في رحلتك وجها مألوفا، فالسحنات الآسيوية هي التي تتولى كل شيء.
ولأن المشروع تجاري بعقلية غير محترفة، فلا تحاول أن تمني نفسك بوجبة عشاء حقيقية، فالطابور الطويل والتنظيم الرديء يوحي لك بأنك تقف في أحد الملاجئ كي تحصل على وجبتك الموهوبة، وعليك أن تتقبلها بمنتهى الرضا والقناعة.
سفاري دبي مختلف تماما عن ما يكتبه البعض بمنتهى الانبهار بخصوص فعاليات أخرى.
بالمناسبة : ألا نجد عندنا في السعودية مستثمرا يستفيد من تسهيلات الهيئة العامة للسياحة والآثار، من أجل تصميم وعمل بانورامي، في الصحراء، يمكنها أن تكون مزارا ثابتا للمقيمين والزائرين للمملكة للتعريف بالموروث الشعبي المحلي؟

ما دين أولئك؟



ما زلت أصر على أن هناك شيئا سيئا، لا علاقة له بالتدين، قد سلب عقول بعض الشباب في مجتمعاتنا، فتحولوا إلى أداة هدم وتشويه باسم الدين.
كان الإنسان الصالح يحظى بتقدير ومحبة الجميع. ذلك أن هذا الإنسان كان رحبا، لطيفا، بشوشا، ولم يكن يخلط عمله الصالح بأوحال المذهبية والطائفية والعنصرية.
هذا الخليط من البذاءة تراه يجتمع حاليا في الأدبيات التي تفرزها خطابات التطرف لدى تيارات التشدد والغلو من السنة والشيعة. ويدعمها في هذا العزف المنفر، فضائيات تمثل هذا الطيف أو ذاك.
كثيرة هي التصنيفات التي تم تسويقها بدأب، ولم تكن الأجيال السابقة تلتفت إليها. لكن إفرازات ما كان يسمى الصحوة في حقبة مضت، تحولت إلى ما يشبه حوصلة طائر شرير، تتشكل من خلاله صورة مشوهة للإسلام والمسلمين.
من اللافت في عدد من حوادث الإرهاب، أن الإرهابي ينتقل من تطرف إلى تطرف أشد، إذ إنه يغوص في أوحال المخدرات والضياع، ثم يغوص في أدران الغلو والتطرف.
لذلك كنت وما زلت أقول إننا بحاجة إلى سماحة شيبان المسجد في الزمن الماضي. هذا هو الدين الحقيقي، الذي ينعكس على الشخص تعاملا راقيا ومراعاة للنفوس.
التجييش والتحريش الحالي، أصبح يتسلل حتى من خلال المحادثات المتاحة في ألعاب الإنترنت.
إن خطابات الغلاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تدفعك للسؤال: ما دين أولئك القساة الغلاظ السفهاء؟! هذا الاستنكار المشروع، يستحضر دوما أن جوهر الدين عمارة روح الإنسان وبناء الأوطان.

في القراءة



هيأت وسائل التقنية الحديثة فرصا أعلى للقراءة، وأصبحت القراءة الإلكترونية تستحوذ على جزء مهم في حياتنا اليومية. أنا أجد متعة في القراءة عند كل لحظة فراغ تسنح لي. لا أقول هذا الكلام للتباهي، إذ أشعر أن هذا سلوك شائع.


حتى الشباب والفتيات، الذين يشكو البعض من كونهم لا يقرأون، وضعتهم وسائل التقنية الحديثة في محيط محفز على القراءة.

هنا يأتي دور الانتقاء والاختيار، في قراءة مواد ترتقي بالذائقة وتنمي ملكات ومهارات التفكير والإبداع.

التثقيف حاليا، لا يتم بمجرد حملك كتابا، رغم ما في هذا الأمر من جمال.

هاتفك المحمول أصبح يضم عشرات الكتب والمجلات والصحف التي يمكن أن تتصفحها بمنتهى السهولة.

القراءة فعل حياة، وهي تؤسس الإنسان وتصوغه بشكل أكثر عمقا. وهي مثل سواها من المحتويات البصرية والسمعية التي تخاطب العاطفة والعقل، تترك أثرا بشكل لا شعوري.

ما لم تحقق القراءة للإنسان الرقي والوعي، فإن العيب ليس في القراءة، ولكن في المحتوى الذي يقرأه المرء.

إن القراءة الإلكترونية، تضعك أمام مسؤولية اختيار المحتوى الذي ينسجم مع ذوقك، وهذه كانت في السابق تخضع لمؤثرات تقلل من حدة التعرض المباشر. الآن أصبحت الأمور مفتوحة، هذا يعني أن التحدي أكبر، لكن هذا التحدي هو الذي يعطي المناعة الحقيقية، ما لم يتحكم في المسألة أشرار العالم الافتراضي.

أدعو الشباب والفتيات لانتهاز هذه الآفاق الإلكترونية التي لم تكن متاحة للأجيال السابقة، من أجل صياغة وعي يؤهلهم كي يتمتعوا بالمهارات والمعارف والوعي الحقيقي، بعيدا عن ثقافة الساندويتش السطحية والهشة.

وباء اسمه الإدمان



يمكن النظر للإدمان باعتباره وباء، يعطل خلايا الدماغ، فيتحول المرء إلى شخصية أسيرة، مسلوبة الإرادة، وردود أفعالها تجاه المحيط الخارجي تتباين، وتصل إلى أقصى حالات الشذوذ الإنساني المتمثل في إيذاء الأم أو الأب أو الأشقاء والشقيقات. هذه الصورة القاتمة يجهلها كثير من أفراد المجتمع، كما أنهم يجهلون أصلا مظاهر الإدمان التي قد يعانيها الابن أو حتى الابنة. والنتيجة أن الغالبية لا يكتشف أن ابنه مدمن إلا بعد مرور أعوام، والبعض الآخر يتستر على الأمر ويحاول أن يتصالح معه، بدعاوى كثيرة يأتي في مقدمتها الخوف من العيب. لكن المسألة تستفحل لتبدأ الممارسات المرعبة التي تستهدف انتزاع المال من الأسرة بالقوة، وأحيانا سرقته أو توفيره من خلال السعي لبيع أي شيء، بكل ما تحمله عبارة "أي شيء" من شمولية.
البارحة الأولى تشرفت بدعوة كريمة من عبدالإله الشريف أمين عام اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات، بمعية كوكبة من الكتاب في الصحف المحلية. كان اللقاء فرصة سانحة لاستعراض جهود المملكة العربية السعودية من أجل التصدي لشرور المخدرات. إن آفة المخدرات أصبحت ظاهرة عالمية، والحرب الفاضلة التي تخوضها الأجهزة الأمنية حققت نجاحات لافتة، لكن هذا الأمر لا يعني أننا أصبحنا في منأى عن الاستهداف المقصود لأسباب مختلفة، بعضها في رأيي فعل عمدي من الخارج يهدف إلى تغييب عقول الأجيال الواعدة من الذكور والإناث.
إن المخيف أن تدرك أن مستشفى واحدا لمعالجة حالات الإدمان على سبيل المثال يستقبل يوميا نحو 70 حالة إدمان. هذا رقم مخيف. والأمر يتطلب مبادرات لبناء مزيد من المستشفيات التي يشارك فيها القطاع الخاص. المعلومة المخيفة، أن الإدمان كلما تأخر علاجه، يتحول إلى عاهة، وبالتالي فإن إخراج السموم من جسد المدمن، لا يعني ضمان عدم عودته للإدمان مرة أخرى. حاولوا الاقتراب من أبنائكم وبناتكم. لا تعزلوهم أبدا. الجامعات والمدارس والاستراحات قد تكون أوكارا للإدمان. الأرقام مخيفة. الدراسات مليئة بالتفاصيل المرعبة. ساندوا جهود مكافحة المخدرات، بمنع من تحبون من الوقوع في أفخاخها المشرعة.

الأحد، 1 يونيو، 2014

حارس الحجر الأسود

خمس مهام يمارسها حارس الحجر الأسود، بحسب تقرير نشرته صحيفة مكة الأربعاء الماضي ونسبته إلى مصدر في قوة أمن الحرم المكي بين هذه المهام: مراقبة المتطفلين من العبث بالحجر الأسود، وتنظيم المتجمعين حول الحجر لتقبيله، ومتابعة الطواف من مكان مرتفع ...إلخ.

ولكن صورة حارس الحجر الأسود وهو يتكئ ليرتاح برهة، فتحت الأبواب لتفسيرات وتأويلات، وفتحت المجال للتطاول والأذى الذي يمتزج بين الغيرة الدينية المعتبرة، وبين الكلام لمجرد الكلام.

الحقيقة أن رجال الأمن في الحرمين الشريفين وفي الأماكن المقدسة يؤدون أعمالا جليلة، وهم يتحملون في سبيل ذلك التعب والعناء.

ووجودهم إلى جوار الكعبة المشرفة وفي مختلف أرجاء المسجد الحرام ضروري جدا، والأمر نفسه عند الحجر الأسود إذ لا غنى عن وجود رجال الأمن هناك. وتدافع الناس هناك كلنا يعرفه ويدرك مخاطره. ناهيك عن بعض التصرفات الفظة التي يمارسها بعض الطائفين.

هذا الأمر وسواه من الأمور تجعل التربص بهؤلاء الرجال وتصيد بعض أخطائهم العفوية، مسألة تحتاج إلى أناة وتمحيص.

إن تصنيع الرأي العام وتهييجه أمر يمارسه البعض باحتراف. ليس هنا مجال تشكيك بالدوافع الطيبة والحسنة لمن قام بالتعليق غاضبا، لكن في المقابل لننظر إلى الصورة بعين الرأفة والشفقة والعدل: تخيل نفسك واقفا وسط هذا البحر البشري المزدحم. إن الله غفور رحيم. وبعض البشر قلوبهم هي إلى الصخر أقرب، سامحهم الله.

هذا ليس تبريرا، ولكنه قد يكون فرصة سانحة، لإيجاد طريقة تجعل رجل الأمن يؤدي واجبه، دون أن يكون عرضة لعدسة تبحث عن السلبي فقط.

السبت، 24 مايو، 2014

عزلة هاتفية



تعودت أن أتوقف عن الكلام، عندما أجد صديقا ينحني على جواله وهو يستمع إلي. أعتقد أن البعض يتحسس من صمتي، لكنني عادة أقول، إن انشغال إنسان بهاتفه وأنت تتحدث إليه من البلايا التي صارت شائعة، لكنها تظل تصرفا مستفزا.

لكنني ألاحظ أن هذا السلوك شاع بين الأبناء والأزواج والزوجات والأصدقاء. حتى وقت غير بعيد، كان المرء يتحسس من الرد على هاتفه؛ عندما يكون جالسا مع صديق إلا في حالات الضرورة القصوى.

أما الآن فإنك تجلس إلى صديق وتتحدث إليه بينما هو منهمك بحديث آخر على الواتس أب أو سواه من وسائل التواصل. لكن أسوأ ما واجهته الأسبوع الماضي، طبيب في أحد المستشفيات الخاصة، دخلت إليه في عيادته وكان يقاطعني بين وقت لآخر كي يرد على هاتفه للحديث مع أصدقائه.

عندما خرجت من العيادة، قررت ألا أعود إليه، واستغنيت عن دوائه، إذ إن انشغاله بالكلام على الهاتف والرد على الرسائل أشعرني بأن هذا الطبيب وصل إلى عيادته مرغما وليس بعيدا أن يصف لك دواء غير مناسب، فعقله كان مشتتا بين الهاتف والواتس أب.


الأحد، 18 مايو، 2014

عناد الوعي



ما أكثرها دروس الأخلاق من حولنا: المشكلة أن المعلم غالبا لا يطبقها فما بالك بالمتعلم.

هذا يفسر الكثير من الأمور.

رسائل الوعي يقتلها عناد الوعي. لا أحد مثلا يجهل خطورة التهور في القيادة، لكن من النادر أن تجد من يتصالح مع هذه الحقيقة وينسجم معها في سلوكه العام.

العناد ضد ممارسة الوعي، يقابله شح شديد في الحزم والصرامة من أجل تطبيق القانون.

يتحجج البعض بالقول إن طاقة المرور لا تسمح له بوضع دوريات سيارة وراجلة في كل شارع.

المشكلة أن هذه وتلك يصاحبهما أمور مربكة: الشخص الذي ارتكب خطأ ضد أناس أثناء قيادته لسيارته، يتأفف عندما يخطئ عليه شخص أكثر رعونة منه. في المقابل، أنت ترى بعض المنتسبين لقطاعات المرور وسواه ممن يقودون سيارات حكومية، لا يختلفون عن الآخرين، أثناء قيادتهم السيارة.

نسبة الذين يجهلون قواعد وأنظمة المرور قليلة جدا. النسبة الأكبر في المخالفات التي تحدث في الشارع هي نتاج تجاهل هذه القوانين.

لاحظوا أننا نتحدث أيضا عن نخب اجتماعية: أكاديميين، أطباء، قادة رأي، طلاب جامعات، موظفين كبار في القطاعين العام والخاص.

كل أولئك يمارسون خروقات ضد الوعي، وكلهم يزعم أنه يفعل هذا الأمر اضطرارا، إذ لا يملك خيارا سوى أن يكون جزءا من المخالفين.

نموذج المرور ينسحب على كثير من أمورنا التي ترتبط بالوعي وبالفعل المضاد للوعي. هذه المقالة ربما تندرج تحت ما ورد في الفقرة الأولى من المقالة.

الأربعاء، 14 مايو، 2014

أخونا إبراهيم


 

لم أستغرب طاقات الخير والحب التي أطلقتها تغريدة شاب أفغاني من مواليد السعودية اسمه إبراهيم، يرقد على السرير الأبيض للعلاج في مستشفى الملك خالد الجامعي منذ ثمانية أشهر، إثر إصابته بالشلل.

طلب إبراهيم من صديق له أن يكتب تغريدة باسمه يدعو فيها الناس لزيارته نظرا لشعوره بالملل من طول مكوثه في المستشفى.

تحولت التغريدة إلى حافز، جعل المئات يتجهون إلى المستشفى لزيارته.

رغم الضغط الذي تعرض له المستشفى بسبب هذا العدد من الزوار، لكن الأمر أعطى مؤشرا تلقائيا عن طاقات الخير والحب المكنوزة في قلوب الناس.

لم تقتصر المسألة على الزيارات، إذ سرعان ما توالت التبرعات من أجل توفير العلاج لإبراهيم.

البعض وجد في الهاشتاق سانحة للتطاول على وزارة الصحة بزعم تقصيرها تجاه إبراهيم.

واقع الحال أن إبراهيم وجد عناية فائقة في مستشفى الملك خالد التابع لجامعة الملك سعود. لكن حالة إيراهيم تفتح التساؤل حول فاعلية دور لجان أصدقاء المرضى. فأنا أفترض أن لديها تنسيقا مع المستشفيات، بحيث تقوم بعمل زيارات للمرضى الذين لا يزورهم أحد.

لعل حالة إبراهيم تحفز لجنة أصدقاء المرضى في الرياض وسواها إلى تطوير أدائها.

هي فرصة سانحة أيضا لتوجيه الشكر لكل من أشاع البهجة والفرح على قلب أخينا إبراهيم.

الخميس، 8 مايو، 2014

نتاج الكراهية مؤذٍ **



في مقالته أمس، قال الدكتور توفيق السيف: "إصدار قانون حماية الوحدة الوطنية أصبح ضرورة، كي نحمي أنفسنا وأبناءنا ومستقبلنا من تجار الكراهية هؤلاء".

لقد كان مجتمعنا ولا يزال، تغلب عليه المراعاة واللياقة، التي تفرض قدرا كبيرا من الاحترام للإنسان، أيا كان لونه أو جنسه أو رؤيته.

إن الانتقائية في ممارسة الكراهية تفضي إلى إقصاء ينقلنا إلى إقصاء آخر.

وأججت وسائل التواصل الاجتماعي بعض النعرات التي أصبح من اللازم تهذيبها.

لم يعد من المسوغ أن يظهر مقطع يوجه الإهانة لشخص بسبب لونه سواء تلميحا أو تصريحا. ولم يعد من المجدي السماح لشخص يسيء إلى لاعب بسبب طائفته. هذه النماذج وسواها، من الأمور التي تؤسس للكراهية، لا بد أن تتسامى المجتمعات العربية ومن ضمنها مجتمعنا عنها.

نعم نحتاج إلى قانون ضد الكراهية، وهذا القانون ينبغي أن يتبنى وضع تصوراته مركز الحوار الوطني وجمعية وهيئة حقوق الإنسان ومجلس الشورى.

هذه المبادرات صمام أمان تعلي قيمة إنسان هذه الأرض الذي اختار أن يكون ولاؤه لله ثم للوطن والقيادة، لكنه لم يختر اسمه ولا لونه ولا المنطقة أو الطائفة التي ينتمي إليها.


** رابط مقالة د. توفيق السيف التي أعلق عليها : 

http://www.aleqt.com/2014/05/06/article_846780.html


الثلاثاء، 6 مايو، 2014

ميراث الوزير السابق



عندما أجد منشأة حكومية تحقق إنجازا وتترك أثرا، أتأمل في قائدها. القائد في أي منشأة هو المحرك.

هذا الأمر يمكن أن نلاحظه من خلال نشاط هذه الوزارة أو تلك. أحيانا تكون صورة وزارة ما ترتبط في الذهن بالبطء والضبابية. لكن هذه الصورة سرعان ما تتغير بتغير الوزير.

الحقيقة أنني لا أنظر إلى هذه المسألة باعتبارها مسألة إيجابية، بل أعتبرها من ملامح الخلل الإداري الذي يحتاج إلى علاج.

إن الوزارة أو الإدارة عندما تخضع للسمات الشخصية للمسؤول عنها، تتأثر بتغيير المسؤول سلبا وإيجابا بشكل كبير.

لا يمكن إنكار أهمية السمات والمهارات الشخصية لرب العمل، لكن من الضروري أن تكون هناك ضوابط تحمي العمل من التراجع.

هناك مشروعات تتوقف في بعض المنشآت لأن الوزير قد لا يراها جيدة. رغم أن هذه المشاريع معتمدة وسبق إقرارها من الوزير أو المسؤول الذي قبله.

عندما تتأمل في حال بعض المنشآت، تشعر بألم شديد، لأن بعض المشروعات تعثرت ستة أعوام أو أكثر، ليس بسبب عدم وجود اعتمادات، بل لأن أولويات الوزير الجديد تغيرت.

نحتاج إلى رقابة تحمي الاستراتيجيات الحكومية من الاجتهادات، مع إتاحة مرونة تسهم في إثراء هذه المشروعات لا إيقافها أو إلغائها.


الأحد، 4 مايو، 2014

هل زرت متحفا؟



من منا فكر اليوم في اقتطاع جزء من الإجازة الأسبوعية من أجل زيارة هذا المتحف أو ذاك؟!

تبدو إجابة السؤال الافتراضية مخيبة. فالنزهة بإجمالها لا يدخل ضمن مصطلحاتها زيارة متحف، أو مكان أثري. إذ إن تكبد العناء في السفر إلى هذه المنطقة أو تلك، تتخلل أجندته الرحلات البرية أو البحرية والتسوق ... إلى آخره، لكن يندر أن تكون المتاحف ضمن القائمة.

ولو حاولت أن تكون من مرتادي المتاحف في الرياض أو جدة فإنك ستجد أن معظم من حولك غرباء، يتملكهم الشغف في التعرف عن قرب على تراث المملكة وآثارها، وربما تجد طلابا من هذه المدرسة أو تلك الجامعة.

حتى رحلاتنا الخارجية - ونحن لسنا وحدنا في هذا فكل الخليجيين كذلك ــــ تأتي زيارة المتاحف في ذيل قائمة اهتماماتنا.

هذه الثقافة المهمة تغرسها الأسرة منذ الصغر، وكذلك المدرسة باعتبارها المؤسسة التربوية الأولى.

المتحف نافذة مهمة يمكن من خلالها تقديم صورة مختصرة عن موضوع معين، سواء كان هذا الموضوع يتعلق بتاريخ اجتماعي أو ثقافي أو فني. في بلدان أخرى قد تجد متحفا عن هذا الرسام أو الكاتب. إضافة إلى المتاحف التي تؤرخ لبعض الأحداث العسكرية. المدن صغيرها وكبيرها تضم متاحف عدة. كل واحد من هذه المتاحف يوثق تاريخ المدينة بصيغة أو أخرى.

وهذه المتاحف محطة سياحية مهمة يرتادها أهل المدينة والسياح الزائرون لها. هي رافد اقتصادي وثقافي في الوقت نفسه، وهي أحد أسس التعليم بالترفيه.

الأربعاء، 30 أبريل، 2014

قال داود: تبا لكم



كانت السعودية كلها على موعد مع مسفر عبر الثامنة مع داود الإثنين الماضي. هو اليوم نفسه الذي كتبت فيه مقال عنوانه “عودة مسفر”، وكنت أعلق على خبر عودته، وأعترف لكم أن والدته أبكتني كما أبكت داود وشريحة كبيرة ممن شاهدوها في حلقة سابقة من برنامج الثامنة مع داود على mbc. لذلك عندما قرأت على “تويتر” أن “مسفر” سيظهر على شاشة mbc حرصت أن أشاهد الحلقة. استحضرت دمعات أم محمد وهي تبكي بحرقة. واستحضرت أصوات وكتابات الساخرين من دمعاتها.

كان مسفر شاهدا على حالة الاختطاف التي تتعرض لها عقول بعض أبنائنا وبناتنا. الخاطف لا يبدو ظاهرا في الصورة، إلا على هيئة متوالية من الأشباح هنا وهناك، لتنتهي المسألة باستقطاب هؤلاء إلى طاحونة الحرب بالوكالة. بينما هم يواصلون جهادهم عبر فضائيات التهييج، ومن خلال مواقع التواصل الاجتماعي، ولكنهم يضعون لأنفسهم خط رجعة، فعباراتهم التحريضية تأتي حمالة أوجه، كما هو حال بعض خطب الجمعة التي تكيل الدعوات بالموت والفناء على أعداء الدين، وهم يقصدون دينهم هم، الذي يرى في سفك الدماء طريقا مسوغا حتى ولو مات مليون أو أكثر كما قال أحدهم في معرض حديثه عن مصر.

ظهور مسفر على mbc أسهم في سقوط الأقنعة، وتوجيه الصفعة تلو الأخرى لتيارات تحصر الفهم للإسلام بمنطقهم ورؤيتهم.

كانت خاتمة حلقة داود: تبا لكم، تليق بهذا المشهد الهزلي الذي جعل صورتنا تقترن لدى الآخرين بشهوة القتل والزواج من اللاجئات بزعم حمايتهن. صحيح أن هذه الصورة المبتذلة تمثل حالات شاذة، ولكن الأمر يتطلب جهدا خارقا لتأكيد أن تلك الصور المجتزأة هي نتاج السكوت عن مثل هؤلاء. لقد كان الأفغان العرب وبالا على مجتمعاتنا، وكان من الممكن أن تتكرر الصورة مع من تم اختطاف عقولهم وتهريبهم إلى سورية بزعم الجهاد.

مسفر كشف كيف ينظرون في سورية للخليجيين الجهاديين. الأمر بالنسبة لهم لا يعدو عن كونه رهينة تقدم لهم المال، فإذا انتهى المال باعوه للنظام ليقبضوا مالا.

ألا نعذر داود الشريان بعدها حينما يختتم حلقته مخاطبا المهيجين بعبارة: تبا لكم؟!


عودة مسفر


كان بكاء أم محمد في الثامنة مع داود على mbc من الأمور التي أفضت إلى زيادة المناهضين لخديعة شيوخ التهييج، الذين أسهموا في تحريض الشباب لما أسموه النفير إلى سورية بدعوى الجهاد.

لم تسلم أم محمد من تشكيك بعض هؤلاء باعتبارها شخصية مصطنعة بزعمهم.

كان هذا الإمعان في الأذى، يكشف الضرر الذي شعروا به بعد ظهور تلك الحلقة. كانت الحقائق تترى، وكانت الكواشف تتوالى في مواقع التواصل الاجتماعي. أحدهم يحرض على الجهاد ثم يكتب عن فرحته بزواج ابنه. ابن أحدهم يستعرض على تويتر صور رحلته في شرق آسيا.

بينما والده يواصل ضخ الكراهية والتحريض بين أبناء المجتمع الواحد، ويؤجج الحس الطائفي المقيت. كانت الصورة ولا تزال تتسيدها صورة أناس يتوسلون بالدين لاقتياد أبنائنا وبناتنا تجاه حرب مستعرة، بينما هم يمارسون الفرجة والتهييج من بعيد. عاد مسفر إلى حضن أمه. وسبقه عائدون آخرون، بعد قرار ولي الأمر بتجريم من يغرر بالشباب ويدفعهم إلى أتون الحروب العمياء باسم الجهاد.

 ولكن بقيت أنفاس هؤلاء وأولئك، تخاتل أفكار القاعدة والحركية التي تتلبس في نفوسهم؛ فيكيلون المديح لهذا وذاك، ولكن أصواتهم تتوارى عندما يكون الكلام إعزازا للوطن وقادته.

في فترة من الفترات، لم يكن أحد يجرؤ على مثل هذا الكلام خشية أن يتم وصمه بالإساءة للدين. لكن ثبت لاحقا أن الدين بريء مما يفعله الحركيون ويمارسونه. سقطت الأقنعة وانكشفت الصورة.